الغيرة ..أسبابها وعلاجها

الغيرة ..أسبابها وعلاجها

الغيرة واحدة من تلك المشاعر التي لايمكن اختصارها في كلمة واحدة..فهي ليست مجرد انفعال عابر ولا حالة نفسية بسيطة يمكن تفسيرها بجملة أو اثنتين.
الغيرة عالم كامل من العاطفة والخبرة والتربية والذاكرة تتداخل فيه مخاوف الإنسان ورغباته واحتياجاته العميقة..ولهذا تختلف من شخص لآخر ومن علاقة لأخرى..ومن مرحلة عمرية لأخرى..ما يثير غيرة طفل صغير قد لا يثير شيئاً في شاب بالغ.. وما يزعج امرأة ناضجة قد لايزعج فتاة في بداية حياتها.
ورغم أن الغيرة تُصوَّر أحياناً كعلامة حب إلا أنها في حقيقتها أوسع من ذلك بكثير..فهي قد تكون حباً..وقد تكون خوفاً..وقد تكون انعكاساً لجرح قديم لم يلتئم أو شعوراً دفيناً بعدم الكفاية..لهذا السبب لايمكن التعامل معها بخفة أو تجاهل ولا يمكن أيضاً شيطنتها بالكامل.
الغيرة جزء من الطبيعة البشرية لكن طريقة التعامل معها هي التي تحدد إن كانت ستبني العلاقة أم تهدمها.
أنواع الغيرة:
بين الطبيعي والمرضي
يمكن النظر إلى الغيرة على أنها ثلاثة مستويات رئيسية، تختلف في شدتها وتأثيرها:
1) الغيرة الطبيعية
وهي الغيرة التي يشعر بها أي إنسان يحب شخصاً آخر ويخشى فقدانه..هذا النوع من الغيرة لا يؤذي العلاقة بل قد يضيف لها شيئاً من الحيوية يشعر الطرف الآخر بأنه مرغوب ومهم، وأن وجوده ليس أمراً عادياً..هذه الغيرة تظهر في حدود معقولة ولا تتحول إلى شك أو اتهام أو مراقبة.
2) الغيرة الشديدة
هنا تبدأ العاطفة بالسيطرة على العقل..يصبح الشخص حساساً تجاه التفاصيل الصغيرة ويبالغ في تفسير المواقف..قد يشعر بالقلق من أي تغيير في سلوك الطرف الآخر، أو من أي اهتمام خارجي..هذا النوع من الغيرة لا يزال قابلاً للسيطرة لكنه يحتاج إلى وعي وتواصل صريح بين الطرفين.
3) الغيرة المرضية
وهي أخطر الأنواع لأنها لا ترتبط بالحب بقدر ماترتبط بالخوف العميق وانعدام الثقة بالنفس..الشخص الغيور هنا لا يرى نفسه كافياً ويعتقد أن الآخرين أفضل منه دائماً فيبدأ بالشك، والمراقبة، وتفسير كل تصرف على أنه تهديد..هذا النوع من الغيرة يمكن أن يدمر العلاقة لأنه يخلق جواً من التوتر والاتهامات المستمرة.
من أين تأتي الغيرة؟
الغيرة ليست شعوراً يولد فجأة..إنها نتيجة تراكمات تمتد غالباً إلى الطفولة..الطفل الذي يشعر بأن أحد إخوته يحصل على اهتمام أكبر أو أن حب والديه مشروط قد يكبر وهو يحمل خوفاً دائماً من فقدان الحب..هذا الخوف يتحول لاحقاً إلى غيرة في العلاقات العاطفية.
كما أن التربية التي تعتمد على المقارنة بين الأبناء، أو التي تزرع في الطفل شعوراً بأنه أقل من الآخرين، تخلق شخصاً بالغاً يبحث دائماً عن إثبات قيمته وعندما لا يجد هذا الإثبات، تتحول الحاجة إلى غيرة، ثم إلى شك، ثم إلى سلوكيات مؤذية.
من جهة أخرى، قد تنشأ الغيرة من تجارب مؤلمة في الماضي، مثل الخيانة أو الإهمال أو الرفض. الإنسان الذي جُرح مرة، يخشى أن يُجرح مرة أخرى، فيبالغ في الحذر، ويقرأ الإشارات بطريقة دفاعية.
الغيرة في العلاقات الزوجية
العلاقة الزوجية هي أكثر علاقة تظهر فيها الغيرة بوضوح، لأنها علاقة تقوم على الارتباط العاطفي العميق، وعلى الشعور بالانتماء..من الطبيعي أن يشعر الزوج أو الزوجة بالغيرة أحياناً لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الغيرة إلى سلوكيات تقيّد الطرف الآخر.
الزوجة التي تراقب جوال زوجها باستمرار، أو الزوج الذي يحدد لمن تتحدث زوجته ومتى تخرج، كلاهما لا يعبر عن حب، بل عن خوف. هذا الخوف قد يكون نابعاً من انعدام الثقة بالنفس، أو من تجارب سابقة، أو من أفكار غير واقعية عن العلاقة.
الغيرة المرضية تجعل الطرف الآخر يشعر بأنه محاصر وأنه متهم دائماً ومع الوقت، قد يفقد رغبته في التواصل أو يبدأ في إخفاء تفاصيل حياته تجنباً للمشاكل مما يزيد الشك ويخلق دائرة مغلقة من التوتر.
لماذا يغار البعض أكثر من غيرهم؟
هناك ثلاثة أسباب رئيسية تجعل بعض الناس أكثر عرضة للغيرة:
1) ضعف تقدير الذات
الشخص الذي لا يرى نفسه جذاباً أو ناجحاً أو مهماً يخشى دائماً أن يخسره الآخر لصالح شخص (أفضل) هذا النوع يحتاج إلى دعم نفسي وإلى شريك يفهم مخاوفه دون أن يستهين بها.
2) التربية القائمة على التملك
بعض الناس تربوا على فكرة أن الحب يعني السيطرة وأن الشريك (ملك) لهم..هؤلاء يجدون صعوبة في تقبل استقلال الطرف الآخر، أو في احترام خصوصيته.
3) سلوكيات غير محسوبة من الطرف الآخر
أحياناً لا تكون المشكلة في الغيرة نفسها، بل في تصرفات عفوية أو غير مناسبة تثير الشك..هنا يكون الحل في الوضوح والاتفاق على حدود العلاقة.
الغيرة بين الإخوة وتأثيرها على الشخصية:
الغيرة لا تبدأ في الزواج، بل في الطفولة..الطفل الذي يشعر بأن أحد إخوته يحصل على اهتمام أكبر، أو يُمدح أكثر، أو يُعامل بلطف أكبر، قد يحمل هذا الشعور معه لسنوات طويلة وقد يتحول هذا الإحساس إلى حساسية مفرطة تجاه المقارنة أو إلى خوف من فقدان الحب في العلاقات المستقبلية.
لهذا ينصح المختصون دائماً بالعدل بين الأبناء، وعدم المقارنة، وعدم استخدام عبارات تفضيل أحدهم على الآخر.
كيف نحافظ على غيرة صحية؟
الغيرة ليست عدواً يجب القضاء عليه، بل شعور يجب فهمه وإدارته. الحفاظ على غيرة صحية يتطلب:
. التعبير عن المشاعر بوضوح دون اتهامات
. تجنب المراقبة والتجسس
. تعزيز الثقة بالنفس
احترام خصوصية الشريك
. الاتفاق على حدود واضحة للعلاقة
. عدم تضخيم المواقف الصغيرة
. فهم أن الحب لا يعني السيطرة
العلاقة التي تقوم على الثقة لا تحتاج إلى صراع يومي لإثبات الحب..والغيرة التي تُدار بوعي يمكن أن تكون جزءاً جميلاً من العلاقة لا سبباً في نهايتها.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *