حين تشعر المرأة بأن المسافة كبرت

حين تشعر المرأة بأن المسافة كبرت

هناك أشياء لا ننتبه لها إلا حين تهدأ الضوضاء من حولنا..أشياء صغيرة لكنها تترك أثراً لايمكن تجاهله..مثل تلك اللحظة التي تشعر فيها المرأة بأن زوجها تغيّر قليلاً..ليس تغيراً واضحاً ولا حدثاً كبيراً فقط شيء خفيف..كأن المسافة بينهما زادت خطوة واحدة لا أكثر..لكنها خطوة تكفي لتوقظ القلق.
هذا القلق لايأتي من فراغ ولايعني أن المرأة تشك أو تتوهم..هو شعور إنساني جداً يحدث حين يخاف الإنسان أن يفقد ما اعتاد عليه..يحدث حين يشعر أن العلاقة التي بناها بسنوات طويلة بدأت تهتز حتى لو كان الاهتزاز بسيطاً.. أعرف نساء كثيرات مررن بهذا الشعور بعضهن حاولن تجاهله وبعضهن واجهنه وبعضهن لم يعرفن كيف يتعاملن معه..لكن القاسم المشترك بينهن جميعاً هو أنهن لم يردن أن يخسرن شيئاً أحببنه. وهذا طبيعي..الإنسان لايخاف من المجهول فقط بل يخاف من التغيّر أيضاً.
أحد الأطباء النفسيين (لا أذكر اسمه الآن) قال مرة إن (العلاقات لا تنهار بسبب الخيانة فقط بل بسبب الصمت الطويل)
وهذه جملة لو فكرنا فيها قليلاً لوجدنا أنها تصف ما يحدث في كثير من البيوت..
الصمت ذلك الشيء الذي يبدو بسيطاً لكنه قادر على خلق مسافة لا يراها أحد إلا حين تكبر. الزوج يعود متعباً لايتحدث كثيراً..الزوجة تلاحظ لكنها لا تسأل..يمر يوم..يومان..أسبوع ثم يبدأ القلق ليس لأن هناك امرأة أخرى بل لأن هناك شيئاً تغير ولا أحد يعرف كيف يشرحه.
أذكر أن أحد الأساتذة كان يدرّس علم النفس الاجتماعي قال لنا يوماً:
(الإنسان حين لايفهم يبدأ في التخمين..والتخمين غالباً أقسى من الحقيقة)
وهذا ما يحدث حين تشعر المرأة بأن زوجها بعيد. العقل يبدأ في رسم سيناريوهات..والقلب يتعب. لكن لو نظرنا للصورة من زاوية أخرى سنجد أن الرجل أيضاً قد يكون غارقاً في أمور لايتحدث عنها..الرجال (في أغلب الأحيان) لايجيدون الكلام عن مشاعرهم..ليس لأنهم لا يشعرون، بل لأنهم تربوا على فكرة أن الصمت قوة..وهذا الصمت هو الذي يخلق سوء الفهم.
أعرف رجلاً كان يمرّ بضغط كبير في عمله لم يخبر زوجته بشيء كان يعود إلى البيت مرهقاً بالكاد يتحدث..زوجته ظنّت أنه تغيّر..ظنّت أن هناك امرأة أخرى..لكن الحقيقة كانت أبسط من ذلك بكثير..كان فقط خائفاً من الفشل ولايريد أن يثقل عليها.
حين جلسا وتحدثا اكتشفت أن كل ما احتاجته هو كلمة واحدة منه وكل ما احتاجه هو سؤال واحد منها..لكن الصمت بينهما كان طويلاً لدرجة جعلت كل واحد منهما يظن أن الآخر ابتعد..العلاقات مهما بدت قوية تحتاج إلى عناية..تحتاج إلى وقت..إلى اهتمام..إلى أن يشعر كل طرف بأن الآخر ما زال يراه، يسمعه، يقدّره.
المرأة التي تشعر بالقلق ليست مخطئة..
ولامبالغة..ولا حساسة (زيادة عن اللزوم) هي فقط إنسانة تخاف أن تخسر..والخوف حين يتعلق بالقلب لايمكن السيطرة عليه بسهولة.
أحد الأطباء الذين قرأت لهم قال إن (الغيرة ليست دائماً دليلاً على الشك بل أحياناً دليل على الحاجة إلى الطمأنينة)
وهذا صحيح المرأة لاتريد أن تراقب ولا تريد أن تفتّش ولا تريد أن تحاسب..هي فقط تريد أن تشعر بالأمان..أن تشعر بأن الرجل الذي اختارته ما زال يختارها..لكن الأمان لايأتي من الصمت. ولايأتي من الافتراضات..ولا يأتي من مراقبة التفاصيل الصغيرة..الأمان يأتي من الكلام..من الجلوس وجهاً لوجه بلا دفاع..بلا اتهام..بلا خوف أن تقول المرأة (أنا أشعر بشيء يزعجني وأحتاج أن أفهم) وأن يقول الرجل: (أنا هنا فقط مررت بفترة صعبة)
هذه الجملة وحدها قادرة على إطفاء نار كبيرة العلاقة لا تحتاج إلى معجزات..تحتاج إلى صدق بسيط..إلى لحظة هدوء..إلى أن يتذكر كل طرف أن الآخر ليس عدواً.. بل شريكاً في رحلة طويلة. الهاجس الذي تشعر به بعض الزوجات لايعني وجود امرأة أخرى..قد يعني فقط أن القلب تعب.. أو أن الأيام أخذت من الدفء أكثر مما يجب..أو أن العلاقة تحتاج إلى أن تُعاد إليها الروح. العلاقات لا تسقط فجأة..هي تتعب..ثم تنتظر من يمدّ لها يداً وما دامت اليد موجودة فكل شيء يمكن إصلاحه.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *