التأثير لأول شخص تلتقيه بحياتك

التأثير لأول شخص تلتقيه بحياتك

هناك لحظات في حياتنا تبدو عابرة لكنها تترك أثراً لا يمكن تجاهله..من بين هذه اللحظات تلك التي نلتقي فيها شخصاً لأول مرة فنشعر تجاهه براحة غريبة وكأن بيننا معرفة قديمة لانعرف مصدرها..يحدث ذلك دون مقدمات، ودون أن نملك تفسيراً واضحاً له لكنه يحدث بقوة تجعلنا نرغب في تكرار اللقاء.. أو على الأقل في استمرار الحديث.
وفي المقابل قد نصادف شخصاً آخر فنشعر بثقل حضوره أو بعدم ارتياح لا نعرف سببه، أو حتى بنفور يدفعنا إلى إنهاء الحوار بأسرع ما يمكن. هذه المفارقة الإنسانية ليست مجرد انطباعات عابرة، بل هي ظاهرة درستها علوم النفس والاجتماع منذ عقود، وحاولت فهم جذورها وتأثيرها على العلاقات البشرية..أحد أهم المفاهيم المرتبطة بهذه الظاهرة هو ما يُعرف بـ (التأثير الأول أو الانطباع الأول) وهو ما يشير إلى تلك اللحظة الأولى التي تتشكل فيها صورة ذهنية عن شخص ما..صورة قد تبقى ملازمة لنا لفترة طويلة وقد تحدد شكل العلاقة المستقبلية معه. ورغم أن هذه الصورة قد تكون مبنية على مظهر خارجي، أو نبرة صوت، أو طريقة كلام، أو حتى على شعور داخلي يصعب تفسيره، إلا أنها تملك قوة كبيرة في توجيه مشاعرنا وسلوكنا..ولفهم هذه الظاهرة بشكل علمي، لا بد من الإشارة إلى واحدة من أشهر الدراسات في هذا المجال، وهي دراسة عالم النفس الاجتماعي (سولومون آش) عام 1946.. في هذه الدراسة، عرض (آش) على مجموعة من المشاركين أوصافاً لشخص مجهول بعضها يبدأ بصفات إيجابية ثم سلبية، وبعضها يبدأ بصفات سلبية ثم إيجابية وكانت النتيجة أن ترتيب الصفات وحده كان كافياً لتغيير الانطباع العام عن الشخص..فإذا بدأت القائمة بصفات إيجابية، رأى المشاركون الشخص على أنه طيب ومحبوب، حتى لو احتوت القائمة لاحقاً صفات سلبية..أما إذا بدأت بصفات سلبية، فقد ظل الانطباع العام سلبياً رغم وجود صفات إيجابية لاحقاً.
هذه الدراسة أثبتت أن الانطباع الأول يعمل كعدسة نرى من خلالها كل ما يأتي بعده، وأن العقل يميل إلى تثبيت الصورة الأولى ومقاومة أي معلومات تناقضها.
لكن لماذا يحدث ذلك؟
ولماذا نتمسك بالانطباع الأول حتى لو كان خاطئاً؟ الجواب يرتبط بطبيعة الدماغ البشري..فالدماغ يحب السرعة والكفاءة، ويبحث دائماً عن طرق مختصرة لاتخاذ القرارات لذلك يعتمد على
مايسمى بـ الاستدلال السريع وهو آلية ذهنية تسمح لنا بتكوين حكم سريع بناءً على أقل قدر من المعلومات..هذه الآلية كانت مفيدة للبشر عبر التاريخ، لأنها ساعدتهم على تقييم المخاطر بسرعة، لكنها اليوم قد تجعلنا نقع في أحكام متسرعة على الآخرين..عندما نلتقي شخصاً لأول مرة، لا نرى فقط ملامحه أو نسمع صوته، بل نقوم بعملية معقدة من الإدراك، وهي عملية تختلف عن الإبصار..فالإبصار هو مجرد استقبال للصورة، أما الإدراك فهو تفسير هذه الصورة وربطها بمعانٍ وتجارب سابقة..قد يذكرنا شخص ما بملامح شخص أحببناه فنشعر نحوه بالارتياح دون أن نعرف السبب..وقد يذكرنا آخر بتجربة مؤلمة، فنشعر بالنفور منه رغم أنه لم يفعل شيئاً يستحق ذلك..وهكذا يصبح الانطباع الأول مزيجاً من الحاضر والماضي.من الواقع والذاكرة..من العقل والعاطفة..وفي بعض الأحيان لايكون الشعور الأولي تجاه شخص ما راحة أو نفوراً بل تعاطفاً. يحدث ذلك عندما يثير فينا هذا الشخص جانباً أبوياً أو إنسانياً ربما بسبب نبرة صوته أو طريقة حديثه أو مظهر يوحي بالضعف أو الحاجة..هذا النوع من الانطباع يجعلنا نشعر بأننا مستعدون لمساعدته أو الوقوف إلى جانبه حتى لو لم نكن نعرفه جيداً..إنه شعور إنساني عميق لكنه أيضاً جزء من آليات الإدراك التي تربط بين ما نراه وما نشعر به.
وفي المقابل قد نصادف أشخاصاً لايثيرون فينا أي اهتمام..لا نشعر تجاههم براحة ولا نفور..ولا نجد في حديثهم ما يجذبنا أو يزعجنا..هؤلاء الأشخاص يمرون في حياتنا مروراً عادياً، لأنهم ببساطة لم يلمسوا أي وتر داخلي في ذاكرتنا أو عاطفتنا وربما لو التقيناهم في وقت آخر أو في ظرف مختلف لتغير الانطباع تماماً.
لكن هناك أيضاً النوع الأصعب الأشخاص الذين نشعر تجاههم بنفور واضح منذ اللحظة الأولى قد يكون السبب طريقة كلامهم..أو لغة جسدهم..أو نبرة صوت تحمل استعلاءً أو غروراً..أو ربما لأنهم يذكروننا بشخص سبب لنا أذى في الماضي. وقد يكون السبب أنهم يهددون صورتنا الذاتية بطريقة ما كأن نشعر أنهم أكثر نجاحاً أو جاذبية أو ثقة بالنفس، فيثير ذلك في داخلنا شعوراً بالمقارنة أو المنافسة..هذه المشاعر قد تكون غير واعية، لكنها تؤثر بقوة على الانطباع الأول. علم النفس يضيف أسباباً أخرى للنفور الأولي منها أن الشخص قد يظهر سلوكاً يتعارض مع قيمنا أو مبادئنا..أو أنه يتصرف بطريقة نعتبرها غير محترمة أو غير صادقة..وفي بعض الأحيان، يكون النفور مجرد انعكاس لحالة نفسية نمر بها نحن وليس له علاقة بالشخص الآخر..فقد نكون متعبين أو قلقين، أو منشغلين، فينعكس ذلك على طريقة استقبالنا للآخرين..لكن رغم قوة الانطباع الأول إلا أنه ليس حكماً نهائياً فالكثير من العلاقات الإنسانية تبدأ بانطباع سلبي ثم تتحول إلى علاقة قوية بعد التعرف الحقيقي على الشخص..وقد نكتشف أن ما ظنناه غروراً كان في الحقيقة خجلاً، وأن ما اعتبرناه بروداً كان مجرد تحفظ طبيعي. وهذا ما يجعل مراجعة أنفسنا أمراً ضرورياً، لأن الانطباع الأول قد يكون مضللاً، وقد يحرمنا من علاقات جميلة لو أننا منحناها فرصة ثانية.
ومع ذلك لا يمكن إنكار أن الانطباع الأول يظل مؤثراً وأنه يشكل أساساً مهماً في العلاقات الإنسانية فهو يساعدنا على اتخاذ قرارات سريعة، لكنه يحتاج إلى وعي حتى لا يتحول إلى حكم ظالم..فالعلاقات البشرية أعقد بكثير من أن تُختزل في لحظة واحدة مهما كانت تلك اللحظة قوية.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *