والدي ياوجعاً في فؤادي

والدي ياوجعاً في فؤادي

منذ أن غاب والدي وأنا أعيش في مساحة غريبة بين الصمت والحنين..كأن العالم فقد توازنه، وكأن الأشياء التي كانت تبدو عادية أصبحت فجأة ثقيلة، لها ظلّ أطول من المعتاد، ولها صوت يذكّرني به حتى وهو بعيد.
لم أكن أظن أن الغياب يمكن أن يكون بهذا الحجم، ولا أن القلب يمكن أن يتسع لكل هذا الألم دون أن ينكسر.
أحياناً أستيقظ وأنا أبحث عنه بعينيّ، كأنني نسيت للحظة أنه رحل، ثم أتذكر فيسقط اليوم كله على صدري دفعة واحدة..أسمع صوته في رأسي، لا كما كان في آخر أيامه، بل كما أحب أن أتذكره..ثابتاً، مطمئناً، يحمل في نبرته تلك الهيبة التي كانت تجعلني أشعر أن الدنيا مهما قست، فهناك كتف أستند إليه.
الآن..لا كتف ولا ظل ولا يد تمتد لتربت على قلبي حين يضيق..أحاول أن أعيش كما كان يريد لي، لكن الحقيقة أن جزءاً مني توقف عند اللحظة التي غاب فيها. كل الأماكن التي مررنا بها معاً أصبحت تحمل شيئاً منه..حتى رائحة القهوة في الصباح تذكرني به، وصوت الأذان، وهدوء الليل، وارتباكي حين أحتاج نصيحته ولا أجدها..كنت أظن أنني قوي، لكنه كان القوة التي أستعيرها دون أن أدرك.
أشتاق إليه بطريقة لا تشبه أي شوق آخر..أشتاق لضحكته التي كانت تسبق كلامه، ولتلك النظرة التي كان يفهم بها كل شيء دون أن أشرح. أشتاق لوجوده فقط..لوجوده الذي كان يملأ البيت دفئاً حتى في أصعب الأيام..الآن البيت واسع جداً، والليل طويل جداً، والذاكرة مزدحمة بما لا أستطيع الهرب منه.
أحياناً ألوم نفسي على كل لحظة مرّت دون أن أقول له كم أحبه..على كل مرة انشغلت فيها عنه، أو ظننت أن الوقت طويل وأنه سيبقى دائماً..لم يخبرني أحد أن العمر يخون بهذه السرعة، وأن الوجوه التي نحبها يمكن أن تختفي فجأة، تاركة خلفها فراغاً لا يُملأ مهما حاولنا.
أجلس مع صورته كثيراً لا لأتذكره، بل لأتأكد أن ملامحه لا تزال واضحة في قلبي..أضع يدي على الصورة كأنني ألمس جبينه، وأغلق عينيّ لأسمع صوته كما كان لا كما غيّره المرض..وأشعر في تلك اللحظات أن الأب لا يغيب فعلاً، بل يتحول إلى شيء يسكن الروح، إلى دعاء يرافقنا، وإلى ظلّ لا يراه أحد غيرنا.
يا أبي:
يا وجعاً لا يهدأ، يا غياباً لا يُعوّض، يا حضوراً لا ينطفئ..كل يوم أكتشف أنني لم أفقدك فقط، بل فقدت نفسي التي كانت تستند عليك..وكل يوم أتعلم أن الحزن ليس ضعفاً، بل امتداد للحب، وأن الدموع ليست انكساراً، بل لغة أخرى للوفاء.
سلام عليك في غيابك، وسلام على روحك التي مازالت تحرسني، وسلام على الأيام التي جمعتني بك وكانت أجمل مما ظننت.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *