نجاح المرأة بين طموحها وحساسية الرجل
نجاح المرأة بين طموحها وحساسية الرجل
منذ أن بدأت المرأة تدخل مجالات العمل الحديثة وتثبت حضورها في المهن التي كانت حكراً على الرجال ظهر سؤال ظل يتكرر في المجالس والبيوت والحوارات اليومية:
لماذا يشعر بعض الأزواج بالضيق عندما تنجح زوجاتهم؟
هذا السؤال لايبدو بسيطاً كما يبدو في ظاهره لأنه يرتبط بتاريخ طويل من الأدوار الاجتماعية التي رُسمت للرجل والمرأة، وبنظرة المجتمع إلى السلطة داخل البيت، وبالطريقة التي يفهم بها كل طرف معنى النجاح.
فالمرأة التي تعمل اليوم ليست تلك المرأة التي كانت تُجبر على البقاء في المنزل، ولا تلك التي كانت تُمنع من التعليم أو من تحقيق ذاتها..هي امرأة ترى في العمل امتداداً لشخصيتها، ووسيلة لتأكيد قيمتها، وطريقة لتكون جزءاً من حركة الحياة..كثير من النساء يدخلن العمل بدافع الحاجة، لكن كثيرات يدخلنه بدافع الشغف، والرغبة في الإنجاز، والشعور بأن لهن دوراً يتجاوز حدود الجدران الأربعة.
ومع ذلك، يبقى نجاح المرأة في بعض البيوت سبباً للتوتر..ليس لأن الرجل يكره نجاحها، بل لأن النجاح يضعه أمام أسئلة لم يكن مستعداً لها. الرجل الذي تربّى على أنه (المسؤول الأول) قد يشعر بأن نجاح زوجته يزاحمه في هذا الدور، أو يضعه في مقارنة غير مريحة..وبعض الرجال
لايضايقهم نجاح زوجاتهم بقدر مايضايقهم حديث الناس، أو نظرة المجتمع التي قد تضعهم في خانة (زوج المرأة الناجحة) وكأن نجاحها ينتقص من قيمته.
المرأة من جهتها لا تدخل العمل لتنافس الرجل، ولا لتثبت أنها أقوى منه..هي فقط تريد أن تشعر بأنها قادرة على أن تكون شيئاً آخر إلى جانب كونها زوجة وأماً..تريد أن تحقق ذاتها، وأن ترى أثر جهدها، وأن تشعر بأن لها صوتاً في الحياة. كثير من النساء ينجحن في الجمع بين العمل والبيت، ويقدمن نموذجاً متوازناً يثبت أن الطموح لا يلغي الحنان، وأن النجاح لا يسرق الوقت من الأسرة كما يظن البعض..لكن هذا التوازن لايتحقق دائماً بسهولة، لأنه يحتاج إلى شريك يفهم أن العلاقة ليست ساحة صراع، وأن البيت لايحتاج إلى قائد واحد، بل إلى شريكين يعرف كل منهما كيف يدعم الآخر.
الكاتب والمدون (فهد الحربي) يقدم رؤية مختلفة لهذه الإشكالية رؤية لا تضع اللوم على المرأة ولا تبرئ الرجل تماماً..فهو يرى أن نجاح المرأة لايهدد الرجل الحقيقي..بل يكشف الرجل الذي لم يتصالح مع نفسه بعد..
يقول (فهد الحربي) :
إن بعض الرجال لا يغضبون من نجاح زوجاتهم بقدر ما يغضبون من فكرة أن المجتمع قد يراهم أقل شأناً، وكأن قيمة الرجل تُقاس بمدى تفوقه على زوجته..ويضيف أن المرأة الذكية تستطيع أن تحافظ على بيتها دون أن تتخلى عن طموحها لكن هذا يتطلب رجلاً يفهم أن العلاقة ليست منافسة، وأن نجاحها لا يعني خسارته.
ويرى (فهد الحربي) أن المشكلة ليست في طموح المرأة، بل في رجل لم يتعلم بعد كيف يرى شريكته كإنسان كامل، له الحق في أن يحلم ويحقق ويخطئ ويبدأ من جديد..
الرجل الذي يثق بنفسه لا يخشى أن تكون زوجته متفوقة، بل يرى في نجاحها امتداداً لنجاحه..أما الرجل الذي بنى قيمته على فكرة أنه يجب أن يكون الأعلى دائماً، فهو الذي يشعر بالارتباك عندما تتقدم زوجته خطوة واحدة إلى الأمام.
في المقابل لايمكن تجاهل أن بعض النساء يخطئن حين يعتقدن أن النجاح وحده يكفي لبناء علاقة مستقرة..فالعلاقة تحتاج إلى تواصل، وإلى مراعاة، وإلى فهم لحساسية الطرف الآخر..بعض النساء يندفعن في العمل إلى درجة تجعلهن يغفلن عن تفاصيل صغيرة لكنها مهمة في البيت. وبعضهن يعتقدن أن النجاح يمنحهن الحق في اتخاذ القرارات وحدهن، أو في التعامل مع الزوج وكأنه جزء ثانوي في حياتهن..وهذا أيضاً يخلق فجوة، ويزيد من شعور الرجل بأنه مهمّش.
لكن الحقيقة أن هذه الأخطاء ليست حكراً على النساء..فكما أن المرأة قد تنشغل بعملها، الرجل أيضاً قد ينشغل بعمله ويهمل بيته..وكما أن المرأة قد تتفوق في عملها وتنسى أن للبيت حقاً الرجل أيضاً قد ينجح في عمله وينسى أن لزوجته حقاً. المشكلة ليست في العمل بل في طريقة إدارة العلاقة.
المرأة التي تعمل تحتاج إلى دعم، لا إلى محاسبة.. تحتاج إلى رجل يفهم أن نجاحها لاينتقص من قيمته، بل يضيف إلى حياته شريكة أكثر نضجاً ووعياً وقدرة على العطاء..والرجل الذي يدعم زوجته لايفقد شيئاً..بل يكسب امرأة تشعر بالأمان، وتمنحه حباً مضاعفاً لأنها تعرف أنه يقف معها لا ضدها.
وفي النهاية لايمكن القول إن نجاح المرأة يسبب غضب الزوج دائماً.. ولا يمكن القول إنه لايسبب ذلك أبداً..فالأمر يعتمد على شخصية الرجل، وعلى طريقة تفكيره، وعلى قدرته على التعامل مع التغيير..كما يعتمد على وعي المرأة وعلى قدرتها على التوازن وعلى فهمها لحساسية الرجل.
لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن نجاح المرأة ليس أزمة..وغضب الزوج ليس قدراً..إنها مرحلة انتقالية يمر بها المجتمع ومع الوقت ستصبح أكثر سلاسة..فحين يفهم الرجل أن نجاح زوجته لا ينتقص منه، وحين تدرك المرأة أن بيتها ليس ساحة لإثبات الذات، سيجد الطرفان أن الطموح يمكن أن يعيش جنباً إلى جنب مع الحب، وأن النجاح يمكن أن يكون نعمة إذا أحسنا التعامل معه.