لماذا نرتدي أقنعة في العلاقات؟ قراءة في النفس البشرية

لماذا نرتدي أقنعة في العلاقات؟ قراءة في النفس البشرية

هناك أفكار كثيرة نسمعها طوال حياتنا، بعضها نردده من غير ما نفكر فيه وبعضها نكتشف لاحقاً أنه لم يكن دقيقاً كما كنا نظن.
وأكثر فكرة لفتت انتباهي في السنوات الأخيرة هي فكرة (الطيبة) وكيف يفهمها الناس.
أحياناً نتصرف بلطف لأن هذا طبعنا..وأحياناً نفعل ذلك لأننا نخشى أن نُغضب أحداً أو نخسر علاقة..ومع الوقت يبدأ الإنسان يلاحظ أن الطيبة ليست دائماً شيئاً بسيطاً كما تبدو.
الناس عادة يحبون الشخص اللطيف هذا صحيح ..لكن اللطف الزائد قد يتحول إلى شيء يرهق صاحبه.
كثير من الدراسات النفسية الحديثة تتحدث عن هذا الموضوع وتقول إن الشخص الذي يحاول إرضاء الجميع طوال الوقت يعيش تحت ضغط مستمر ليس لأنه ضعيف بل لأنه يضع نفسه في آخر القائمة..وهذا يحدث مع الرجال والنساء، لكن المرأة غالباً تواجهه أكثر بسبب توقعات المجتمع منها..المجتمع يريدها لطيفة، متفهمة، صبورة، حتى عندما تكون مرهقة أو غير قادرة على التحمل.
لكن الحقيقة أن المرأة التي تعرف كيف توازن بين اللطف والحزم تكون أقوى وأكثر استقراراً..ليست القوة بمعنى الصراخ أو المواجهة.. بل بمعنى أن تعرف متى تقول (لا) ومتى تتوقف عن حمل ما لا تستطيع حمله..وهذا ليس ضد الطيبة، بل هو جزء منها..لأن الطيبة الحقيقية لاتعني أن نؤذي أنفسنا من أجل الآخرين.
هناك فرق كبير بين الطيبة التي تأتي من الداخل، وبين الطيبة التي تأتي من الخوف.
الأولى جميلة وصادقة، والثانية مرهقة ومؤلمة..الشخص الذي يتصرف بلطف لأنه يخشى الرفض يعيش في حالة قلق دائمة يخاف أن يخطئ..يخاف أن يزعج أحداً..يخاف أن يظهر على حقيقته. وهذا النوع من الطيبة لا يصمد طويلاً، لأنه مبني على خوف وليس على قناعة.
المجتمعات تختلف في نظرتها للطيبة..هناك مجتمعات تشجع الفردية وتعتبر الحزم والوضوح أساس النجاح..وهناك مجتمعات أخرى تقدّر الجماعية وتعتبر اللطف جزءاً من الهوية..لكن مهما اختلفت الثقافات يبقى الإنسان بحاجة إلى توازن لايمكن أن يعيش طوال الوقت من أجل الآخرين، ولا يمكن أيضاً أن يعيش لنفسه فقط. التوازن هو ما يجعل العلاقات صحية.
من الأشياء التي يتحدث عنها علماء النفس أيضاً مسألة (الصورة) التي يقدمها الإنسان عن نفسه..بعض الناس يظهرون بثقة كبيرة، لكنهم من الداخل يعيشون صراعاً مع الشك..يبتسمون كثيراً لكنهم قلقون..يتحدثون بثبات لكنهم يخافون من الفشل..وهذا التناقض يجعل الإنسان يعيش بشخصيتين واحدة للناس..وواحدة لنفسه ومع الوقت يبدأ يشعر بأنه لا يعرف أيهما الحقيقي.
الدراسات تقول إن الإنسان الذي يعتمد على (قناع اجتماعي) لفترة طويلة يصبح أكثر عرضة للقلق والاكتئاب ليس لأن القناع سيئ بل لأنه يبعده عن ذاته..الإنسان يحتاج أن يشعر بأنه مقبول كما هو لا كما يتوقع منه الآخرون أن يكون..وهذا ينطبق على الرجال والنساء، لكنه يظهر بشكل أوضح عند النساء بسبب الضغوط الاجتماعية التي تطلب منهن أن يكنّ مثاليات في كل شيء.
الخطوة الأولى للخروج من هذا التناقض هي الاعتراف به أن يقول الإنسان لنفسه: (نعم أنا أتصرف أحياناً بطريقة لا تشبهني) هذا الاعتراف ليس ضعفاً بل بداية القوة لأن الإنسان عندما يعرف مشكلته يستطيع أن يتعامل معها ليس المطلوب أن نتخلى عن اللطف أو المجاملة بل أن نكون صادقين مع أنفسنا..أن نعرف متى نبتسم لأننا نريد ومتى نبتسم لأننا مضطرون.
هناك جانب آخر مهم يتحدث عنه الباحثون وهو تأثير العادات اليومية على الصحة النفسية كثير من الناس يظنون أن المزاج شيء منفصل عن الجسد لكن الدراسات الحديثة تقول العكس النظام الغذائي المتوازن..النوم الجيد..الحركة اليومية لو كانت بسيطة كلها تؤثر على المزاج.
بعض الدراسات وجدت أن الأشخاص الذين يقللون الدهون الضارة ويتناولون طعاماً طبيعياً أكثر يشعرون بتحسن في المزاج ليس لأن الطعام يصنع السعادة بل لأنه يساعد الجسم على العمل بشكل أفضل وهذا ينعكس على النفس.
هذا التأثير يظهر عند الرجال والنساء لكنه يكون أوضح عند النساء بسبب التغيرات الهرمونية والضغوط اليومية المتعددة..المرأة التي تهتم بجسدها تجد أن مزاجها يصبح أكثر استقراراً وهذا يساعدها على التعامل مع العلاقات بشكل أفضل.
أما العلاقات الزوجية فهي موضوع واسع ومعقد.. لسنوات طويلة كان هناك اعتقاد أن الخلافات المتكررة تساعد على (تنفيس) المشاعر لكن الدراسات الحديثة تقول إن كثرة المشاجرات لو كانت خفيفة ومحترمة ترتبط بارتفاع احتمالات الانفصال..ليس لأن الخلاف نفسه خطير بل لأن تكراره يعني أن المشكلة الأساسية لم تُحل. الأزواج الذين ينجحون هم الذين يتعلمون كيف يتحدثون لا كيف يتشاجرون.
الباحثات في علم النفس الأسري يلاحظن أن المرأة التي تشعر بأن صوتها مسموع داخل العلاقة تكون أكثر قدرة على بناء استقرار طويل. ليس لأنها تريد السيطرة بل لأنها تريد شريكاً يفهمها.
الرجل أيضاً يحتاج أن يشعر بأنه مسموع..العلاقة ليست مباراة بل مساحة مشتركة عندما يشعر الطرفان بأنهما قادران على التعبير عن مشاعرهما دون خوف تصبح العلاقة أكثر قوة.
الخلافات ليست دليلاً على فشل العلاقة لكنها تصبح خطرة عندما تتحول إلى عادة.
لذلك ينصح المختصون بأن يتفق الزوجان على قواعد للحوار عدم رفع الصوت..عدم إشراك الأطفال..اختيار الوقت المناسب للنقاش..هذه القواعد ليست رسمية أو جامدة لكنها تساعد على حماية العلاقة من التآكل.
الإنسان يحتاج إلى مساحة آمنة يعبر فيها عن نفسه قد تكون هذه المساحة داخل الأسرة أو مع صديق، أو مع مختص..المهم أن يشعر بأن مشاعره مسموعة..لأن الكبت المستمر يجعل الإنسان ينفجر في لحظة غير مناسبة، أو ينسحب من الحياة تدريجياً.
الوعي الذاتي يلعب دوراً كبيراً في كل هذا..عندما يعرف الإنسان لماذا يتصرف بطريقة معينة يصبح أكثر قدرة على تغييرها..الوعي لايعني جلد الذات، بل فهمها..أن يعرف الإنسان ما الذي يريده فعلاً وما الذي يفعله فقط لأنه يخشى رأي الآخرين. هذا النوع من الوعي يساعد على بناء حياة أكثر اتساقاً مع القيم الحقيقية.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *