النكد في الحياة الزوجية ..من المسؤول؟
النكد في الحياة الزوجية ..من المسؤول؟
من أغرب ما يحدث في البيوت الخليجية والعربية أن كلمة (نكد) أصبحت تُستخدم كأنها صفة وراثية
تُلصق بالمرأة وحدها.. وكأن الرجل ملاك يمشي على الأرض لا يخطئ ولا يرفع صوته ولا ينسى ولا يتجاهل..الحقيقة أبسط وأعمق من هذا التصنيف
الجاهز..النكد ليس جنساً ولا فصيلة بل حالة تتكوّن عندما يختل ميزان لعلاقة ويبدأ كل طرف يشعر أنه يعيش مع شخص لايسمعه ولا يفهمه.
الناس تحب دائماً أن تبحث عن (المذنب) لكن الزواج ليس محكمة، ولا أحد يدخل الحياة الزوجية وهو يحمل نية الإيذاء..كل ما في الأمر أن الضغوط تتراكم، والظروف تتغير، والقلوب تتعب، فيبدأ الشرخ الصغير يكبر حتى يتحول إلى جدار يفصل بين الزوجين.
والنكد في جوهره ليس سوى صرخة غير منطوقة: (انتبه لي… اسمعني… افهمني)
كثير من الأزواج يرددون: (المرأة تنكد من لا شيء) لكنهم لا يرون أن هذا (اللا شيء) هو في الحقيقة تراكم سنوات من الإهمال العاطفي أو من التقليل من شأنها، أو من التعامل معها كجزء من أثاث البيت..والزوجة حين تتذمر فهي لا تبحث عن مشكلة بل تبحث عن شعور بأنها ليست وحدها في هذا الطريق الطويل.
وفي المقابل
هناك زوجات يعتقدن أن الرجل يجب أن يكون حاضراً بكل تفاصيلهن وأن عليه أن يفهم ما يشعرن به دون أن يُقال..وهذا توقع غير واقعي، لأن الرجل بطبيعته لا يلتقط الإشارات العاطفية بسهولة، ولا يقرأ ما بين السطور.وهنا يبدأ سوء الفهم..
هي تظن أنه يتجاهلها، وهو يظن أنها تبالغ. فتشتعل الشرارة. الحياة الزوجية ليست معركة، لكنها أيضاً ليست نزهة دائمة..هي مساحة مشتركة تحتاج إلى صيانة مستمرة..والزوجان اللذان يعتقدان أن الحب وحده يكفي سيكتشفان لاحقاً أن الحب بلا اهتمام يتحول إلى عادة، والعادة بلا تجديد تتحول إلى ملل، والملل هو البوابة الكبرى للنكد..المرأة بطبيعتها تحتاج إلى كلمة..إلى نظرة..إلى اهتمام بسيط يعيد إليها يقينها بأنها ما زالت مهمة..والرجل بطبيعته يحتاج إلى تقدير..إلى احترام..إلى شعور بأنه قادر على أن يكون سنداً. وعندما يغيب أحد هذين العنصرين، يبدأ كل طرف في البحث عن طريقة للتعبير عن نقصه.
المرأة تعبّر بالكلام..والرجل يعبّر بالصمت.والصمت مع الكلام المتوتر يصنعان خليطاً مثالياً للنكد.
هناك زوجات يشتكين من رجال لا يعرفون كيف يقولون (شكراً) ولا (يعطيك العافية) ولا (أحبك) ..هناك رجال يشتكون من زوجات لا يعرفن كيف يتركن مساحة للهدوء، أو كيف يثقن بأن الرجل قد يحب بصمته أكثر مما يحب بكلماته.وبين الشكوى والشكوى تضيع الحقيقة: لا أحد يريد أن يكون نكدياً لكن الجميع يريد أن يُفهم.
الضغوط اليومية تلعب دوراً كبيراً. العمل، الأطفال، الالتزامات، الأهل، الظروف الاقتصادية..كلها عوامل تجعل الأعصاب مشدودة.
وحين يعود الزوج إلى البيت مرهقاً وتكون الزوجة منهكة من مسؤولياتها يصبح أي تعليق بسيط شرارة.
ليس لأن الطرفين سيئان بل لأنهما متعبان.
ومع ذلك لايمكن تجاهل أن المجتمع يحمّل المرأة العبء الأكبر.
فهي مطالبة بأن تكون أماً وزوجة، ومربية، وطباخة، وممرضة، ومستمعة، ومتفهمة، ومبتسمة دائماً.
وحين تتعب، يقولون: (تنكد)
بينما الرجل حين يغضب، يقولون: (معذور ضغوط الحياة)
هذا التحيّز يجعل كثيراً من النساء يشعرن بأنهن غير مرئيات، وأن أي محاولة للتعبير عن ضيقهن تُفسَّر على أنها نكد.
وهذا ظلم كبير، لأن المرأة ليست آلة عاطفية تعمل بلا توقف.
هي إنسان، تتعب، وتحتاج، وتغضب، وتريد من يسمعها.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن بعض النساء يستخدمن النكد كسلاح أو كوسيلة للسيطرة، وهذه حالات موجودة لكنها ليست القاعدة.
والرجل الذي يهرب من مسؤولياته أو يترك زوجته تواجه الحياة وحدها، هو أيضاً سبب رئيسي للنكد.
إذن ليست القضية (من المخطئ؟) بل (كيف نصلح الخلل؟)
الحل يبدأ من الحوار.
من الجلوس بهدوء، دون اتهامات، ودون رفع أصوات، ودون استحضار الماضي.
من الاعتراف بأن كل طرف يحتاج إلى الآخر، وأن العلاقة ليست منافسة، بل شراكة.
من إعادة تعريف الحب، ليس ككلمة تُقال، بل كفعل يومي بسيط:
ابتسامة، سؤال، اهتمام، تقدير، كلمة لطيفة، لحظة صبر.
الكاتب والمدون ( فهد الحربي) يقول:
(أرى أن النكد في الحياة الزوجية ليس صفة تولد بها المرأة، ولا سلوكاً تتعمده..بل نتيجة فراغ عاطفي يتشكل حين تُترك وحدها في مواجهة مسؤولياتها ومشاعرها..المجتمع يحمّلها اللوم لأنها الطرف الأكثر تعبيراً بينما يتجاهل أن الرجل حين يغيب وجدانياً يترك مساحة واسعة للضيق.. المرأة بطبيعتها تبحث عن الأمان، فإذا لم تجده، ظهر صوتها عالياً..النكد ليس مشكلة نسائية بل علامة على علاقة تحتاج إلى إصلاح، وعلى رجل مطالب بأن يكون حاضراً بقلبه قبل حضوره بجسد).