لا الكلام دائماً من فضة ولا السكوت من ذهب

لا الكلام دائماً من فضة ولا السكوت من ذهب

لم يحدث أن شغلني موضوع كما شغلني ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين الكلام والصمت.. كلما ظننت أنني فهمت قواعده، اكتشفت أنني أمام باب آخر، وأن المسألة أعقد بكثير من مجرد اختيار بين أن أقول أو لا أقول..فالكلمة ليست مجرد صوت، والصمت ليس مجرد غياب كلاهما يحملان طبقات من المعاني بعضها ظاهر، وبعضها لا يُرى إلا حين يهدأ القلب ويصفو العقل.
منذ سنوات بعيدة، كنت أظن أن الإنسان يُعرَف من كلامه..كنت أراقب الناس وهم يتحدثون، وأظن أن الحقيقة تسيل من أفواههم كما يسيل الماء من النبع..لكنني اكتشفت لاحقاً أن بعض الكلام يُقال ليُخفي، لا ليُظهر..وأن بعض الصمت يفضح أكثر مما يستر..هناك من يتكلم لأنه يخشى أن يُترك وحده مع صوته الداخلي..وهناك من يصمت لأنه تعب من أن يُساء فهمه..وبين هؤلاء وأولئك يمشي الإنسان محاولاً أن يجد لنفسه لغة لا تجرحه ولا تجرح الآخرين.
أتذكر رجلاً كبيراً في العمر التقيت به ذات مساء كان يتحدث ببطء يشبه خطوات شيخ يعرف الطريق لكنه لايريد أن يصل بسرعة..كان يختار كلماته كما يختار المرء حجراً ثميناً من بين آلاف الحصى..قال لي جملة ظلت تلازمني:
(يا بني ليست كل كلمة تُقال وليست كل كلمة تُسكت..الحكمة أن تعرف ما الذي يستحق صوتك)
لم يكن الرجل خطيباً ولا كاتباً، لكنه كان يحمل في صوته خبرة عمر طويل، خبرة جعلته يدرك أن الكلام مسؤولية، وأن الصمت أيضاً مسؤولية.
وفي المقابل..عرفت شاباً كان يملأ المكان بكلماته..يضحك بصوت عالٍ، يروي القصص، يعلّق على كل شيء، وكأنه يخشى أن يترك لحظة واحدة تمر دون أن يثبت وجوده..وحين سألته مرة عن سرّ اندفاعه قال شيئاً لم أنسه:
(الصمت يخوّفني..أحسّه يكشفني)
هنا أدركت أن الكلام عند البعض ليس ترفاً، بل درعاً يحتمون به من هشاشتهم.
العلاقات الإنسانية، بكل ما فيها من تعقيد، تتشكل في المسافة بين الكلمة والصمت في البيوت مثلاً لا ينهار الزواج بسبب خلاف واحد بل بسبب تراكم كلمات لم تُقل، أو كلمات قيلت في لحظة غضب، أو صمت طال حتى صار عادة..هناك زوجة تنتظر كلمة واحدة تطمئنها، وزوج يظن أن الصمت هو الطريق الأقصر لتجنب المشاكل.. وهناك زوج يتحدث كثيراً لأنه يخشى أن يُساء فهمه، وزوجة تصمت لأنها تعبت من التفسير. وكل واحد منهما يظن أنه يفعل ما يجب، بينما الحقيقة أن المسافة بينهما تكبر بصمت لا يسمعه أحد.
الصداقة أيضاً لا تنجو بالكلام وحده، ولابالصمت وحده..الصديق الذي يختفي دون تفسير يترك خلفه فراغاً لا يملؤه أي اعتذار لاحق..والصديق الذي يبالغ في الكلام يرهقك دون أن يشعر. الصداقة تحتاج إلى توازن يشبه توازن الموسيقى نغمة تُقال، ونغمة تُترك معلّقة..تحتاج إلى مساحة تسمح للكلام بأن يكون صادقاً، وللصمت بأن يكون مفهوماً.
أما في العمل فالكلمة قد ترفع صاحبها أو تضعه في موضع لايريد..الموظف الذي يتحدث كثيراً قد يُساء فهمه، والموظف الصامت قد يُتهم باللامبالاة..القائد الحقيقي هو الذي يعرف متى يتكلم ليُسمع، ومتى يصمت ليُفهم. فالكلمة في بيئة العمل ليست مجرد رأي، بل قد تكون قراراً أو بداية تغيير..والصمت ليس انسحاباً دائماً، بل قد يكون مساحة للتفكير.
ومع كل هذا، يبقى الإنسان محتاجاً إلى مساحة آمنة يقول فيها ما يريد دون خوف، ويصمت فيها دون أن يُساء تفسيره..وهذه المساحة لا تُمنح، بل تُبنى..تُبنى بالثقة، وبالصدق، وبالقدرة على الاعتراف بأننا لا نعرف دائماً ما يجب أن نقوله، ولا متى يجب أن نصمت.
وهنا يأتي رأي الكاتب المدون (فهد الحربي) الذي يرى أن المسألة ليست في الكلام ولا في الصمت، بل في (النية) التي تقف خلفهما..يقول (فهد الحربي) إن الإنسان حين يتكلم ليقترب لا ليُثبت نفسه، يصبح كلامه أخفّ على القلب..وحين يصمت ليحمي العلاقة، لا ليهرب منها، يصبح صمته مفهوماً..ويرى أن العلاقات لا تتصدع بسبب كلمة واحدة، بل بسبب غياب الحوار الحقيقي. ويضيف أن الناس اليوم يتحدثون كثيراً لكنهم لا يصغون بما يكفي، وأن الإصغاء هو الجزء المفقود في معادلة التواصل..ويؤكد أن التوازن بين الكلام والصمت ليس مهارة لغوية، بل مهارة قلبية، تحتاج إلى صدق أكثر مما تحتاج إلى فصاحة..ويشير إلى أن الإنسان حين يتعلم أن يزن كلماته بضميره، لا بلسانه، فإنه يقترب خطوة من الحكمة، وخطوة من السلام الداخلي.
ربما لا توجد قاعدة نهائية تخبرنا متى نتكلم ومتى نصمت..لكن ما نعرفه أن الإنسان حين يختار كلمته بصدق، أو صمته بوعي، فإنه يقترب خطوة من نفسه، وخطوة من الآخرين..فالكلمة قد تكون جسراً، والصمت قد يكون دواءً، وكل
مانحتاجه هو أن نعرف أيهما يناسب اللحظة التي نعيشها.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *