لا الكلام دائمآ من فضة ولا السكوت من ذهب

لا الكلام دائمآ من فضة ولا السكوت من ذهب

لا الكلام دائمآ من فضة ولا السكوت من ذهب

لسانك هو شخصيتك عندما ينطق يدل على هويتك وصفاتك وأخلاقك واللسان لاينطق إلا إذا أشرت إليه بعقلك..كن صادقاً أو كذوباً أو مراوغاً أو منفراً سليطاً ولذلك يقولون في الأمثال :
(سلامة الإنسان في حفظ اللسان) و (ماعدو الإنسان إلا لسانه ) و (جرح السلاح يبرأ وجرح اللسان ما يبرأ ) وأخبرنا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أن الكلمة الطيبة صدقة تأكيداً لقوله تعالى: (ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون).
واللسان كالحصان الجامح إذا تحكم فيه الإنسان ضمن سلامته وإن أفلت منه الزمام كان وبالاً على صاحبه ولذلك قالوا في الأمثال أيضاً (لسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك)
وإذا كان القرآن الكريم والأحاديث النبوية وحكم السلف الصالح والأمثال الشعبية تحذر من فلتات اللسان وجموحه فلماذا يمعن البعض في إنتقاد الآخرين والسخرية منهم والتشهير بهم أحياناً؟
قول الدكتور الطبيب النفسي الراحل (محمد شعلان) في احدى لقاءاته التلفزيونية:

نحن بصفة عامة شعب صناعته الكلام نتكلم أكثر مما نعمل ونضيع الكثير من أوقاتنا في أحاديث تافهة تضر أكثر مما تنفع لأنها في أحيان كثيرة تنـزلق بنا إلى ما لايجوز أن يخرج عن حيز النفس ورقابة الضمير والكلام يغري صاحبه عادة بالمزيد منه خاصة إذا كان الشخص يعاني من عقدة نقص ويرغب لاشعورياً في أن يستر نقصه ويداري ضعفه فيجد في الكلام بضاعة رائجة ووسيلة لإحاطة نفسه بهالة من الأهمية يعجز عن تحقيقها في الواقع فتختلط الحقيقة في ذهنه بالخيال فيكون الإختلاق والمبالغة وعندئذ تحدث البلبلة التي قد تصل إلى حدة العداوة.
وقد لايكون الشخص ممن يعانون نقصاً ولكنه من ذلك النوع الثرثار الذي يعجز عن الكتمان..والبعض يتصور أنها طبيعة لايمكن التغلب عليها وقد يتخذون من هذه الصفة مادة لإثارة الإهتمام أو الدعابة والسخرية ولكن الحقيقة أن ذلك العجز هو إفتقار للنضج فالشخص الذي لايستشير عقله قبل أن ينطق لايفرق بين الحديث الذي يمكن أن يخوض فيه بلاضرر يصيب الآخرين والحديث الذي أرتبطت به حقوق لغيره أو مصلحة عامة تحتم الكتمان هو شخصية استعراضية هشة وذو عقلية قاصرة لايتحمل المسؤولية ولايقوم بدور إيجابي سواء في محيطه الخاص أو العام .
والمثل الذي يقول:
(إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) أكبر دليل على أن الصمت أحياناً كثيرة يكون ضرورياً ولازماً وإيجابياً ويمثل قمة النضج والمسؤولية لأنه يعبر عن موقف امتثالاً لحديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام الذي قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)
ويصر الكثيرون على إتهام المرأة وحدها بالثرثرة وسلاطة اللسان وانفلاته مع أن واقع الحال في مجتمعنا بكافة قطاعاته يشير إلى أن التهمة تنسحب على الرجل مثل ما تحيط بالمرأة..ولكن هذا لايعني أن يغلق الجميع أفواههم ولكن الكلام المقصود هنا هو الكلام الذي يؤدي إلى الخطأ..الكلام بدون تحديد أومنطق أو هدف..الكلام الذي يلقي جزافاً..وقد يؤذي أو يجرح.. في مثل هذه الأحوال يكون السكوت أفضل لأنه يعصم من الخطأ.
قول أحد الأزواج :

حينما رشحت لي الأسرة إحدى الفتيات للزواج وافقت على الفور فهي قمة في الجمال وكانت محط أنظار الشباب وأنا منهم وحمدت الله أنه حق حلمي ولأن مرآة الإعجاب عمياء فلم أنتبه في فترة الخطبة إلى لسانها السليط الثرثار وأعتبرت ذلك نوعاً من الدلال وإثبات الذات ولكني الآن أعاني من نفور الأهل والأصدقاء ومقاطعتهم لي بسبب الثرثرة السليطة للسان زوجتي حتى أنهم يطلبون مني حين ادعي لمناسبة اجتماعية أن أذهب وحدي حتى لاتقلب المناسبة نكداً وغماً أما أنا فهارب منها طوال الوقت!!
الدكتور النفسي الكندي (جوردن بيترسن) :
يرى أن القضية نسبية وليست مطلقة فالصراحة قد تسمى أحياناً بجاحة والخضوع والصمت قد نسميه أدباً لأننا لم نتعود بعد على الصراحة والشجاعة في إبداء الرأي فإذا ما انصلح أمر إنسان وترك السكوت واتجه إلى التعبير عن نفسه بصراحة فإنه يرفض مع الأسف وهو في محاولته لأن يكون صريحاً..قد يتطرف في صراحته وإذا أردت توجيهه فإنه يدافع عن نفسه أو يبرر ذلك قائلاً :
(أنا عيبي أنني صريح) وعموماً فالقضية كلها تكتسب قيمة إيجابية حسب كمية التعبير ومداه ونوعه وكمية السكوت ودلالته.
والسكوت أنواع :
فهناك السكوت الذي يعبر عن الرفض..والسكوت الذي يعبر عن الرضا والسكوت الذي يعبر عن التواصل.
والسكوت الرافض: هو الذي يأتي تعبيراً عن عدم قبول ما يجري وعدم الإقتناع به وهو في هذه الحالة يقوم على الضغط النفسي.
أما السكوت المعبر عن الرضا:
فهو في الواقع لايعبر عن شيء ولايقول شيئاً وهو مايمكن أن نسميه سكوت الخضوع في معظم الأحيان فصاحبه خاضع وعاجز ومن هذا المنطلق يأتي القبول والرضا.
أما سكوت التواصل:
فهو يعبر عن مستوى من الوجدان والمشاعر بين شخصين لايمكن التعبير عنه إلا بالسكوت لأنك مهما قلت فلن تصل إلى ما تريد فمثلاً عبارة (أحبك) هي نوع من الدفاع ضد العكس وضد الشك في الحب ولكن بعد مرحلة معينة من الحب نجد أن أبلغ تعبير عن الحب هو ألا نقول شيئاً..ولعل ذلك يذكرنا بما قاله الشاعر الإنجليزي (توماس إليوت):
(إلى زوجتي التي استطيع أن أثرثر معها وأن أقول كل شيء دون ان أفتح فمي بكلمة واحدة)
ولكن الزوجات يكرهن صمت الأزواج..وفي الشهر الماضي أصدرت محكمة الأحوال الشخصية في احدى الدول العربية حكماً بتطليق زوجة من زوجها لإمتناعه عن الكلام معها بإعتبار ذلك ضرراً تستحيل معه العشرة بين أمثالهما ولم تأخذ المحكمة بدفاع الزوج الذي قال فيه :
نعم التزمت الصمت معها لأن تفكيرها سطحي وحكمها دائماً على الأمور حكماً سطحياً ولاتناقش معي إلا توافه الأمور رغم كونها سيدة موظفة وتحمل مؤهلاً عالياً لذلك فضلت الصمت على الكلام معها.
. أما الأخ (أبوعادل) فيقول :
أنا بالفعل أفضل الصمت عن الكلام مع زوجتي حتى أتجنب المشاكل فكلما تحدثنا معاً في أي موضوع نتشاجر وينتهي النقاش بالنكد لذلك فضلت أن أكون مثل (الصخرة) حتى أستريح من المشاكل وهذا طبعاً لا يرضى الزوجة وهكذا تراني أدور في حلقة مفرغة!
الأخت (وجدان) تقول :
تزوجت من ابن عمي منذ عشر سنوات رزقنا خلالها بثلاثة أبناء على جانب كبير من الذكاء والتفوق واستطعنا رغم زواجنا التقليدي أن نبرهن للجميع عن صدق مشاعر كل منا تجاه الآخر حتى أصبحنا مثالاً للزوجين المتحابين وخلال هذه الفترة استطعنا بكفاحنا المشترك وعملنا أن نمتلك المسكن العصري المريح والسيارة الفاخرة ولكن هذا لم يمنع حدوث النقاش بيننا بين حين وآخر وحتى عندما كان هذا النقاش يتحول إلى خلاف إلا أنه سرعان ما ينتهي بالصلح والصفح الجميل .
ولكن منذ عام تقريباً لاحظت تغيراً في تصرفات زوجي فهو يخلو لنفسه كثيراً ولايتبادل معي أي حديث إلا نادراً ثم يعود إلى صمته..ناقشته لعلي أكون قصرت في حقه دون أن أدري ولكنه نفى ذلك ولم أصل معه إلى سبب واحد يدعوه لهذا الصمت والإنطواء حتى أصبحنا نعيش كالغرباء تحت سقف واحد..وأتساءل:
هل انتهى حبه لي؟
هل هو على وشك الفرار من عش الزوجية بسبب امرأة أخرى؟
إنني بصراحة خائفة ولا أعرف كيف أتصرف؟
. في بحث أجراه العالم النفسي الألماني الدكتور (مانفريد لوتز) عن الزواج في ألمانيا اتضح له أن الزوجين يتحدثان معاً لمدة (70دقيقة) خلال العام الأول من الزواج وتقل هذه المدة إلى النصف (35 دقيقة) في العام الثاني وتتدرج حتى ينقطع الحديث الحلو تماماً في العام الثامن من الزواج لكن هذا لايعني في كل الأحوال إنفصام عن الزوجية
ويقول علماء النفس:
قبل الشكوى من الصمت والكلام علينا أن نتعلم أولاً (فن الإصغاء) فنحن جميعاً نحتاج إلى من يصغي مجاناً وعيادات الأطباء النفسانيين يقصدها أناس حرموا ممن يصغي إليهم مجاناً وفي أغلب الأوقات تنقطع الحرارة عن الإتصالات الإنسانية لعدم وجود من يستمع لأن الجميع يريدون الكلام.
. يقول أحد خبراء الأسرة:
إنني في الحقيقة لا أعمل كثيراً لإعادة الأمور إلى نصابها بين أفراد الأسرة وأغلب ما أعمله هو الحرص على تهيئة الفرصة لكلاً منهم لكي يتكلم على أن يصغي إليه الآخرون دون مقاطعة وغالباً ماتكون هذه هي المرة الأولى منذ سنوات التي أمكنهم فيها الإصغاء إلى بعضهم البعض فالإصغاء يكسب الإنسان الحكمة وإهتمام الآخرين ومحبتهم أيضاً وهو يعني أيضاً أنك كما تتيح الفرصة للآخرين للكلام فعليهم أيضاً أن يمكنوك من هذه الفرصة وعند الكلام تعلم فن التفكير قبل الإندفاع في الكلام حتى تكون كلماتك في مكانها وحتى تحدث الأثر الذي تبغيه.
عن هذا الصمت الزوجي تقول الطبيبة النفسية وأخصائية التربية الفرنسية (جاكلين لينو) :
أنا أختلف تماماً مع من يفسرون الصمت الزوجي على أنه إنتهاء للحب بين الزوجين فالحب بين الزوجين يختلف تماماً عن الحب الذي نعرفه قبل الزواج حتى أكاد لا أطلق عليه حباً حتى لا تختلط مع حب ما قبل الزواج لأن العلاقة الزوجية تأخذ شكلاً مختلفاً ومعنى مختلفاً والمشاعر التي يشعر بها الحبيبان أو الخطيبان قبل الزواج ليست هي المشاعر ذاتها التي يتبادلانها بعد الزواج فالعلاقة الزوجية
ومايحيط بها من مشاعر تكون مبنية على أسس أخرى غير العواطف المجردة ومنها :
. الإحساس بمعنى الشركة
. الإحساس بالمسؤولية داخل هذه الشركة.
. العطاء..أي بذل جهد إيجابي لإنجاح الشركة.
. تقديرعطاء الطرف الآخر..أي إدراك دور هذا الطرف في إنجاح الشركة وإذا افتقدت الحياة الزوجية هذه المقومات فلن يكون هناك معنى للحوار وإذا حاول الزوجين التحاور فسيكون حواراً سطحياً بلا مضمون ولا إحساس والحل دائماً يكمن في أن يبدأ كل من الزوج والزوجة بمناقشة نفسه أولا قبل أن يناقش أو يشكو من الطرف الآخر.

مدونة فهد الحربي : لا الكلام دائمآ من فضة ولا السكوت من ذهب

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *