الحاسة السادسة
الحاسة السادسة

الحاسة السادسة
العاطفة قادرة على أن تخرق الفولاذ حتى تقتحم الفؤاد وذلك بسبب تلك الإنفعالات الوجدانية التي تحدث ضغطاً في الأثير يملأ فضاء الدنيا بشحنات شعورية على هيئة أمواج غير مرئية تدخل النفس الإنسانية فتؤثر فيها بعمق وقوة وجاذبية.
أعتقد أن معظمنا يعرف ماذا تعني كلمات: (أرتحت له أول ما شفته) أو (بدون سبب دخل قلبي) أو (صدري أنشرح له الظاهر عليه إنه ابن حلال) أو (صراحة حسيت بشيء يجذبني نحوه بس مدري وشو) وغيره.. وغيره.. من تعليقات تدخل ضمن مجالات الغموض الحافل بالتوقعات التي تدور معظمها حول نقطة واحدة هي الإحساس بالآخرين أو النفور منهم أو الإنجذاب نحوهم لدرجة أننا نكاد نشعر مشاعرهم نحونا وهذا هو موضوعنا الذي سوف نتحدث الآن مع بعضنا.
بدون تعليق وبلا حوارات أومناقشات أستطيع أن أؤكد وأقول:
إن الموضوع هو إحساس وشعور فمعظمنا يستطيع خلال لحظات عابرة أن يستشف الحالة الشعورية السائدة في المكان النابعة أساساً من عقل الإنسان والمنتشرة في الهواء الذي نتنفسه ونلامسه.
طبعا هذا ليس كلاماً في الهواء ولا نقشاً على الماء إنما هو نوع عجيب من العلم يحتاج ممن يتلقاه ويعيه أن يكون شخصاً ذا مواصفات خاصة أهمها أن يكون إنساناً مرهفاً وحساساً وشفافاً.
وهذا ماتظنه غالبية الناس إنساناً مكشوفاً عنه الحجاب أو مايسميه البعض إنساناً يحظى ب(الحاسة السادسة) ولديه المقدرة على الحدس والتوقع والتنبؤ بأمور يتم حدوثها فيما بعد في وقت لاحق قريب مما يقوله أو يشعره به وهنا يكمن هذا السؤال :
هذه القوة الظاهرة الخارقة أحياناً لما هو معروف ومألوف هل لها طبيعة مادية تميز شخصاً عن آخر؟ أو أنها كلها مجرد تخيلات وتصورات غير حسية قد تختلف من شخص لآخر وتتفاوت من موقف لآخر؟ أي بمعنى أن تصيب مرة وتخطئ مرة أو قد تصدق مرة وتكذب مرات ومرات؟
. وحتى أستطيع الإجابة على هذا السؤال أحتاج أن أعطيكم هذا المثال:
نحن نشاهد جحافل النحل تجمع الرحيق من الزهور وهي حين تنتهي تتجه بما جمعت نحو الخلية في إتجاه مستقيم تضرب استقامته الأمثال وتستمر في طريقها الطويل الذي قد يتجاوز بضعة كيلو مترات دون أن تتيه أو تخطئ أو تحيد؟
في هذه الحالة قطعاً لن نستطيع القول إن النحل يهتدي بإحدى الحواس الخمس المعروفة وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس لأن الطريق طويل جداً وقدرات النحل على إدراك عوائقه لاتحتاج إلى تعليل أو تفسير فهي دون ذلك بكثير وكثير.
إذن..
النحل تعود بفضل ظاهرة غير معلومة الهوية وهذا هو ما سأذكره الآن رداً على ذلك السؤال السابق هذه القوة الظاهرية لها علاقة مباشرة ببعض العيون والنوافذ الموجودة لدى الحشرات..أما بالنسبة للإنسان فيوجد جزء في المخ يسمى (الجسم الصنوبري) موجود مغطي ومدفون تحت الجزء الأمامي من المخ بين المراكز التي تستقبل المرئيات.
هذا الجزء الصنوبري الصغير يتلقى الإشعاعات الأثيرية السابحة في الهواء التي لاتدركها الحواس الخمس المعروفة فيحولها إلى أجزاء المخ التي تستطيع ان تلتقطها وتتعامل معها بأن تجعلها لوناً من ألوان الوعي والفهم والإدراك.
وهذا ما يفسر لنا مقدرة الطيور المهاجرة على العودة إلى الأوطان بعد رحلات السفر الطويلة كالسمان الذي يرحل إلى شطآن البحر الأبيض المتوسط في أوقات الخريف والحمام الزاجل الذي يعود إلى عشه الأول مهما طالت المسافات وتباعدت الأوقات وهذا غالباً ما يكون عملاً تلقائياً استجابة لدافع آلي تماماً كما يحدث عندما تتجه قطعة الحديد نحو قطعة المغناطيس..أوعندما يتجه سن الإبرة في بوصلة البحار نحو القطب المغناطيسي.
لذا..نستطيع أن نقول إن الجزء الصغير الغامض من المخ هو مقر الحاسة السادسة فعندما يتلقى المخ إشعاعات معينة تكون بعض الخلايا ذات الصلة بهذا الإسم الصنوبري في حالة تذبذب مطابقة للذبذبات المنبعثة من الجسم الآخر بمعنى أنهما يكونان على موجة واحدة كما يُقال في عالم اللاسلكي فالمخ توجد به أجهزة إستقبال خاصة تتلقى تنبيهات السمع والبصر وغيرهما كما تتكون فيه كتلة أخرى كبيرة تميز وتضبط كل التنبيهات التي تتلقاها وتمزجها ببعضها البعض وهذه هي العملية التي يطلق عليها اسم (التفكير) بنوعيه الوعي واللاوعي.
وبسبب ذلك التفكير المحدد الذي ينحصر في زاوية معينة قد تضم شخصاً أو شيئاً معيناً يتم نوع من الحس الشعوري واللاشعوري الذي تنجم عنه تلك الظاهرة الخارقة الفذة التي نطلق عليها اسم الحاسة السادسة وعن هذه الزاوية المعينة التي تضيق حول شخص بعينه فنرسل إليه ونستقبل منه بعض ذبذبات هي عبارة عن أفكار وخلجات سوف نعرف ماذا تفعل بنا تلك الرغبة الشديدة في شيء ما أو شخص مانتمنى ان نعثر عليه أو نراه.
مدونة فهد الحربي : الحاسة السادسة