حين يخذلنا الانفعال

حين يخذلنا الانفعال

هناك لحظات في حياتنا تبدو وكأنها تختبر قدرتنا على الاحتمال دون سابق إنذار..نستيقظ ونحن نظن أن يومنا سيمضي كما خططنا له، ثم يحدث شيء صغير، كلمة عابرة أو حركة غير مقصودة، فتتغير ملامح اليوم كله..نشعر بأن شيئاً ما اشتعل في داخلنا، وأن أعصابنا أصبحت مشدودة على نحو لا نفهمه، وأن الكلمات تسبق تفكيرنا وكأنها تبحث عن مخرج سريع..وبعد أن تهدأ تلك اللحظة، نجلس مع أنفسنا ونسأل:
ما الذي دفعني إلى هذا الانفعال؟
لماذا تصرفت بطريقة لا تشبهني؟
مع الوقت نفهم أن الذكاء العاطفي ليس درساً نتعلمه في كتاب، ولا مهارة نكتسبها في جلسة واحدة..هو شيء نكتشفه غالباً بعد أن نخسر لحظة كان يمكن أن تمر بسلام، أو بعد أن نرى أثر كلمة خرجت منا بلا قصد على وجه شخص يهمنا أمره.
أحياناً لا نتعلم إلا حين نتعثر، ولا نفهم أنفسنا إلا حين نرى انعكاس تصرفاتنا على من حولنا..
وفي العلاقات، تتكرر المشاهد بطريقة تكاد تكون محفوظة..يعود أحدنا من يوم طويل، محمّلاً بما يكفي من التعب، فيسمع جملة بسيطة فيظن أنها موجهة ضده يردّ بسرعة، فيرتفع صوت الطرف الآخر، ثم تتسع الدائرة دون أن يقصد أحد ذلك..
لا أحد يريد إيذاء الآخر، لكن الإرهاق وحده قادر على تضخيم أبسط المواقف..وبعد أن تخفت الأصوات، يجلس كل طرف في مكانه، يشعر بثقل غريب، وكأنه كان يستطيع أن يتصرف بشكل أفضل لكنه لم يفعل.
الذكاء العاطفي يظهر في تلك اللحظة التي نلتقط فيها أنفسنا قبل أن ننفجر..حين ندرك أن غضبنا ليس بسبب الكلمة التي سمعناها، بل بسبب شيء نحمله منذ الصباح..حين نفهم أن الشخص أمامنا ليس خصماً، بل إنساناً ربما يمر بيوم أصعب مما نتصور.
أحياناً يكفي أن نتنفس بعمق، أو أن نؤجل الرد قليلاً كي يتغير مسار الحديث كله.
لكننا في كثير من الأحيان ننتظر من الآخر أن يفهمنا دون أن نشرح، وأن يهدأ قبل أن نهدأ نحن، وأن يعتذر قبل أن نفكر في الاعتذار..نريد منه أن يكون أكثر نضجاً بينما نحن نكرر ردود أفعالنا نفسها..نطالبه بالتغيير، بينما نحن ثابتون في أماكننا..وهكذا تتكرر الخلافات بالطريقة نفسها، وبالكلمات نفسها، وكأننا ندور في دائرة لا نعرف كيف نخرج منها.
لو أننا جربنا للحظة أن نضع أنفسنا مكان الشخص الذي أمامنا، ربما كنا سنرى الأمور بشكل مختلف..ربما كنا سنلاحظ أن غضبه ليس تحدياً لنا، بل تعبيراً عن تعب لم يجد له لغة أخرى..وأن صمته ليس تجاهلاً بل محاولة لعدم قول شيء يندم عليه لاحقاً..وأن ردود أفعاله ليست دائماً انعكاساً لما نفعله نحن، بل لما يعيشه هو في داخله.
الذكاء العاطفي لا يجعلنا مثاليين، لكنه يجعلنا أقل قسوة..يجعلنا نختار كلماتنا بعناية، ونفكر قبل أن نرفع أصواتنا، ونفهم أن العلاقة ليست ساحة لإثبات من المخطئ ومن المصيب..يجعلنا نرى أن اللطف ليس ضعفاً وأن التراجع خطوة لايعني أننا خسرنا، وأن الاعتذار لا ينتقص من قيمتنا.
ومع مرور الوقت، نلاحظ أن الأمور تصبح أخف.. وأن الخلافات لا تستمر طويلًا..وأن الكلمات الجارحة تقل..وأن البيت يصبح أكثر دفئاً.. ليس لأن الآخرين تغيروا، بل لأننا نحن بدأنا نرى الأمور بعيون مختلفة..بدأنا نفهم أنفسنا أكثر، ونفهمهم أكثر، ونفهم أن الحياة أقصر من أن نضيعها في ردود أفعال لا تشبهنا.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *