الخنساء..امرأة صنعت مجدها وحدها
الخنساء..امرأة صنعت مجدها وحدها
كانت (الخنساء) تماضر بنت عمرو السلمية، واحدة من النساء اللواتي تركن أثراً ظاهراً في تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده..لم تكن مكانتها بسبب نسبها وحده، ولا بسبب حياتها الاجتماعية، بل بسبب ما عُرف عنها من قوة الشخصية وصدق التعبير، وما ارتبط باسمها من شعر الرثاء الذي صار مثالاً يُستشهد به.
نشأت في بيئة قبلية تعتمد على الروابط العائلية، وكان إخوتها جزءاً أساسياً من حياتها، وعلى رأسهم (صخر) الذي احتل مكانة خاصة لديها لما عُرف عنه من شجاعة وكرم وقيام بأمر قومه.
قُتل أخوها (معاوية) في إحدى الوقائع فخرج (صخر) يطلب الثأر وأصيب في تلك الحملة إصابة شديدة..بقي بعدها مدة طويلة يعاني أثر الجراح، حتى توفي.
هذا الحدث كان نقطة تحول في حياة (الخنساء) إذ ظهر في شعرها ما يدل على عمق المصاب، وبرزت قدرتها على صياغة الرثاء صياغة صادقة بعيدة عن التكلّف..لم تكن تذكر صخراً بوصفه أخاً فحسب بل بوصفه عماداً للأسرة ورجلاً له أثره في قومه، ولذلك جاء شعرها فيه قوياً يحمل معاني الوفاء والاعتراف بفضله.
اشتهرت (الخنساء) في الجاهلية بشعرها، حتى إن كبار الشعراء كانوا يعترفون بمكانتها.
رُوي أن (جريراً) حين سُئل عن أشعر الناس قال: أنا لولا هذه الخبيثة يقصد (الخنساء) وهو اعتراف يدل على تقدير شعرها بين أهل عصرها. ولم يكن هذا التقدير مبنياً على المجاملة بل على ما ظهر في شعرها من صدق العبارة وقوة العاطفة مع قدرة واضحة على اختيار الألفاظ المناسبة للمعنى دون إفراط أو ضعف.
دخلت (الخنساء) الإسلام وثبت إيمانها وظهر أثر ذلك في مواقفها..حين شارك أبناؤها الأربعة في معركة القادسية أوصتهم بما يدل على فهمها لطبيعة الجهاد وثقتها بما وعد الله به المجاهدين.. لم تكن وصيتها خطبة منمّقة، بل كلمات أمٍّ تعرف ماينتظر أبناءها وتريد لهم الثبات..شارك الأبناء في القتال واستشهدوا جميعاً فلما بلغها الخبر قالت مايدل على رضاها بقضاء الله: (الحمد لله الذي شرّفني باستشهادهم).. لم يُنقل عنها بعد ذلك شعر في رثائهم، مع أنها كانت من أشهر من قال الرثاء، وهذا ما جعل المؤرخين يرون أن إيمانها غيّر نظرتها إلى المصاب.
عاشت (الخنساء) بعد ذلك سنوات في البادية ولم تُذكر لها أخبار كثيرة في تلك الفترة..يبدو أنها آثرت العزلة والهدوء بعيداً عن المجالس التي كانت تُذكر فيها الأشعار..لم تكن بحاجة إلى أن تثبت شيئاً بعد أن عرفها الناس شاعرة وراثية بارعة..بقي اسمها حاضراً في كتب الأدب واحتفظت مكانتها بين الشعراء حتى قال بعض النقاد إنه لم تُعرف امرأة قبلها ولابعدها بلغت مبلغها في الشعر.
رحلت (الخنساء) بعد عمر طويل وظل ذكرها قائماً لا بسبب ما أصابها من مصائب فحسب بل بسبب قدرتها على تحويل التجربة إلى شعر صادق بقي أثره في الذاكرة العربية..كانت حياتها مثالاً لامرأة واجهت الفقد بقلب ثابت وقالت الشعر بلسان يعرف قيمة الكلمة فاستحقت أن تبقى بين أعلام الأدب العربي.