الاكتئاب في زمن السرعة

الاكتئاب في زمن السرعة

لم يكن الناس يتحدثون عن الاكتئاب كثيراً قبل سنوات، ربما لأن الحياة كانت أبسط، أو لأن العلاقات كانت أقرب، أو لأن الإنسان كان يجد كتفاً يسند رأسه عليه دون أن يطلب.
اليوم تغيّر كل شيء تقريباً..صارت الأيام أسرع مما نحتمل، وصار كل واحد منا يركض خلف شيء لا يعرف إن كان سيصل إليه فعلاً..ومع هذا الركض، ومع هذا الضجيج، بدأ الاكتئاب يظهر في الوجوه، في الأصوات، في طريقة الجلوس، وحتى في الصمت الطويل الذي يهرب إليه البعض دون أن يلاحظ أحد.
العلم يقول إن الاكتئاب زاد بشكل واضح في السنوات الأخيرة، وهذا ليس غريباً..فالعزلة التي فرضتها الحياة الحديثة، والضغط المستمر، والسهر، والتغذية السيئة، كلها عوامل تضع الإنسان في حالة إنهاك لايشعر بها إلا حين يتوقف فجأة ويكتشف أنه لم يعد يعرف كيف يعود إلى نفسه..حتى وسائل التواصل، التي كان يُفترض أن تقرّب الناس، أصبحت في كثير من الأحيان سبباً في شعورهم بالوحدة..كل شيء يبدو لامعاً من الخارج، لكن الداخل يظل معتماً، ولا أحد يراه.
ورغم أنني لست ممن يحبون الحديث عن تجاربهم الشخصية، إلا أنني مررت بفترة جعلتني أفهم معنى أن يشعر الإنسان بأنه يبتعد عن نفسه خطوة بعد خطوة..حدث ذلك بعد وفاة صديق قريب، شخص لم أكن أتخيل أن يغيب بهذه السرعة..في الأيام الأولى كنت أتصرف كأن الأمور تحت السيطرة، لكن الحقيقة أن شيئاً داخلياً كان يتصدع..صرت أسهر بلا سبب، وأتناول طعاماً غير منتظم، وأتجنب الناس كأنني أخشى أن يروا ما يحدث في داخلي..لم أسمّ ما أمرّ به اكتئاباً، ربما لأن الكلمة ثقيلة، وربما لأنني كنت أظن أنني أقوى من أن أسقط.
لكن الاكتئاب لا يهتم بما نظنه عن أنفسنا يأتي حين يجد الباب مفتوحاً، ويجلس في الزاوية دون أن يعلن حضوره..يبدأ كإرهاق بسيط، ثم يتحول إلى فقدان رغبة، ثم يصبح ثِقلاً لايعرف صاحبه كيف يزيحه..وهذا ما يحدث للكثيرين اليوم. الإنسان يظن أنه (يتحمل) لكنه في الحقيقة ينهك نفسه أكثر.
ومع ذلك، هناك دائماً شيء يمكن فعله، حتى لو بدا صغيراً..الحركة مثلاً، مجرد أن يخرج الإنسان من البيت ويمشي قليلاً، قد يغيّر الكثير..الرياضة ليست علاجاً سحرياً، لكنها تعيد للجسد شيئاً من توازنه..حين بدأت أمارس الرياضة بعد فترة طويلة من السكون، لم أشعر بتحسن فوري، لكنني شعرت بأن الهواء يدخل صدري بطريقة مختلفة، وكأنني أتنفس للمرة الأولى منذ مدة.
والطعام أيضاً له أثر لايمكن تجاهله حين يأكل الإنسان بشكل عشوائي، يزداد شعوره بالخمول، وهذا الخمول يفتح الباب لمزيد من الأفكار الثقيلة.. أما حين يعتني بجسده، يشعر بأن لديه شيئاً يستند إليه.
بدأت أتناول طعاماً أخف أبتعد عن الدهنيات والسكريات، وأحاول أن أنام مبكراً قدر الإمكان. لم يكن الأمر سهلاً، لكنه كان ضرورياً.
لكن أهم ما أدركته هو أن الإنسان لا يستطيع مواجهة الاكتئاب وحده..القرب من الآخرين، حتى لو كان بسيطاً، يصنع فرقاً كبيراً..مجرد أن تتحدث مع شخص تثق به، أو أن تجلس مع من تحب دون أن تقول شيئاً، قد يخفف الكثير..ليس لأن الآخرين يملكون الحل، بل لأن وجودهم يذكّرك بأنك لست وحدك في هذا العالم.
الاكتئاب ليس ضعفاً، ولا علامة على أن الإنسان أقل قيمة..هو فقط نتيجة لتراكمات لم نلتفت إليها في الوقت المناسب ومع ذلك، يمكن تجاوزه حين يمنح الإنسان نفسه فرصة، حين يتحرك ولو خطوة صغيرة، حين يعتني بجسده، حين يقترب من الناس، وحين يتذكر أن الحياة رغم قسوتها مازالت قادرة على أن تمنحنا شيئاً من الضوء إذا فتحنا نافذة صغيرة له.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *