المتنبي وبوشكين..وجهان لقلق واحد
المتنبي وبوشكين..وجهان لقلق واحد
كان (ألكسندر بوشكين) في صورته الأولى شاباً لايبدو أن حياته كانت تسير في خط مستقيم..ولد في موسكو عام 1799 في بيت ميسور لكنه لم يكن من أولئك الذين يطمئنون إلى الامتيازات.. كان يميل إلى الكتب أكثر من ميله إلى الناس، وربما كان ذلك ما جعله يكتشف مبكراً أن العالم أوسع من حدود الطبقة التي نشأ فيها.
كانت الفرنسية لغته اليومية، لغة البيت والمربيات، ومع ذلك حين بدأ يكتب بالروسية، كتبها كما لو أنه يعيد ترتيبها من الداخل، كأنها لغة لم تُجرَّب بعد في الشعر.
في سنوات دراسته، كان صوته أعلى مما يسمح به زمن القيصر..كتب قصائد تحمل نبرة احتجاج واضحة، نبرة لم تكن السلطة مستعدة لسماعها من شاب لم يتجاوز العشرين..نُفي إلى الجنوب وهناك تغيّر شيء فيه..رأى روسيا التي لم يكن يعرفها روسيا القرى، والجنود، والطرقات الطويلة التي تمتد بلا نهاية..هذه التجربة لم تجعله ثورياً بالمعنى السياسي، لكنها جعلته أكثر قرباً من الناس، وأكثر بعداً عن الصالونات التي نشأ فيها.
حين عاد إلى سانت بطرسبرغ عاد بشاعر مختلف..لم يكن أكثر هدوءاً لكنه كان أكثر وعياً بثمن الكلمة ومع ذلك لم يتخلَّ عن طبعه الحاد. كان سريع الغضب، سريع الغيرة، وسريع الاندفاع..وهذه الصفات مهما حاول البعض تجميلها، كانت جزءاً من نهايته..تزوج من (ناتاليا غونتشاروفا) وكانت جميلة إلى حدٍّ جعل جمالها عبئاً عليه..المجتمع الروسي كان قاسياً في أحكامه، وكانت الشائعات تنتشر بسهولة، وكان (بوشكين) حساساً تجاه كرامته إلى حدٍّ يجعله يتصرف أحياناً بطريقة لاتشبه الحكمة..
ومع أن أصدقاءه حاولوا أن يثنوه، إلا أنه ذهب إلى المبارزة التي أنهت حياته..لم يكن مضطراً لذلك لكنه شعر أن التراجع سيترك في داخله جرحاً لا يندمل..أصيب إصابة قاتلة ومات بعد يومين وهو في الثامنة والثلاثين..لم يكن عمراً طويلاً لكنه كان عمراً مليئاً بما يكفي ليترك أثراً لايزول.
كان يعرف بطريقة ما أن حياته لن تكون طويلة ولذلك كتب بسرعة، وعاش بسرعة، وأخطأ بسرعة، كأن الزمن كان يطارده.
في كل مرة أقرأ فيها عن (بوشكين) يخطر ببالي (المتنبي) ليس لأنهما متشابهان في اللغة أو الأسلوب ولا لأنهما عاشا الظروف نفسها، بل لأن كليهما كان يحمل داخله شيئاً أكبر من الحياة اليومية..(المتنبي) كان يرى نفسه أكبر من عصره، و(بوشكين) كان يرى أن الكلمة يمكن أن تكون سلاحاً..كلاهما عاش في بيئة لا تحتمل الشعراء الذين يرفضون أن يكونوا جزءاً من الصف..كلاهما مات بطريقة كان يمكن تجنبها لكنهما لم يكونا من أولئك الذين يختارون الطريق السهل.
(المتنبي) رفض أن يهرب، و(بوشكين) رفض أن يتراجع..(المتنبي) قتله بيت شعر قاله، و(بوشكين) قتلته كرامة لم يعرف كيف يساوم عليها..وربما كان هذا ما يجمعهما..تلك القدرة الغريبة على تحويل الحياة إلى موقف، والموقف إلى قدر..كلاهما عاش حياة قصيرة، لكنها حياة ممتلئة، حياة لايمكن أن تُختصر في سطر أو تُقاس بعدد السنوات.
(بوشكين) لم يكن أسطورة لأنه مات في مبارزة، بل لأنه عاش كما يعيش الشعراء الحقيقيون بلا حذر زائد، وبلا حسابات دقيقة، وبلا رغبة في أن يبدو مثالياً..و(المتنبي) لم يكن أسطورة لأنه قُتل، بل لأنه عاش كما لو أن العالم كله امتحان لكرامته..كلاهما ترك أثراً لا يمكن محوه، وكلاهما يذكّر بأن الشعر ليس كلمات تُكتب، بل حياة تُعاش، وأن الشاعر الحقيقي لايستطيع أن يفصل بين قلبه وقلمه، مهما حاول.