عن السعادة أتحدث
عن السعادة أتحدث
السعادة ليست فكرة سهلة كما نحب أن نتظاهر.. إنها حالة تتشكل داخل الإنسان بطريقة لايمكن التنبؤ بها، وتظهر أحياناً في لحظة لاعلاقة لها بما ننتظره.
كنت أظن في فترة من حياتي أن السعادة تحتاج إلى مناسبة كبيرة، إلى حدث يغيّر كل شيء دفعة واحدة، لكنني اكتشفت لاحقاً أن أكثر اللحظات صدقاً جاءت دون إعلان، ودون ضجيج، ودون أن أكون مستعداً لها أصلاً.
هناك أيام كنت أستيقظ فيها بلاسبب واضح للشعور بالراحة، ثم يحدث شيء صغير، كلمة من شخص عابر، أو نظرة مطمئنة من وجه أعرفه، فأشعر أن العالم أقل قسوة مما بدا قبل دقائق..لم تكن تلك اللحظات (إنجازات) ولم تكن مرتبطة بما يصفه الناس عادة بالسعادة، لكنها كانت تمنحني إحساساً خفيفاً بأن الحياة ما زالت قادرة على مفاجأتي بشيء جيد.
أفكر كثيراً في الطريقة التي يتعامل بها الناس مع السعادة..البعض يطاردها كما لو أنها جائزة
لاتُمنح إلا لمن يستحق، فيرهق نفسه، ويقسو على أيامه، ويعيش في سباق لا يعرف نهايته. آخرون يظنون أنها في الامتلاك..بيت أكبر، وظيفة أعلى، علاقة مثالية..لكنني رأيت أشخاصاً يملكون كل ذلك، ومع ذلك يبدون وكأنهم يحملون فراغاً لا يملؤه شيء..ورأيت آخرين يعيشون حياة بسيطة جداً، لكن في وجوههم طمأنينة لايمكن تفسيرها.
السعادة كما بدأت أفهمها، ليست في الأشياء التي نضيفها إلى حياتنا، بل في الأشياء التي نتخفف منها..في أن نتخلص من المقارنات، من التوقعات الثقيلة، من فكرة أن علينا أن نكون نسخة محسّنة من أنفسنا طوال الوقت..في أن نسمح لأنفسنا بأن نكون بشراً، لا مشاريع مثالية..حين يتصالح الإنسان مع هذا، يبدأ يشعر بأن هناك مساحة داخلية تتسع لشيء يشبه السكينة.
وأحياناً تأتي السعادة من الآخرين، من وجود شخص واحد فقط يعرف كيف يخفف عنك دون أن تشرح..من صديق يرسل لك جملة قصيرة في وقت غير مناسب لكنها تصيب مكانها..من يد تُمدّ إليك دون أن تطلب..من ضحكة طفل لايعرف شيئاً عن همومك لكنه يذكّرك بأن العالم ما زال يحتفظ ببراءة ما.
هذه التفاصيل الصغيرة لا تُكتب في السير الذاتية، لكنها تصنع طبقة من الدفء حول القلب.
ومع ذلك لا يمكن أن ننكر أن السعادة ليست حالة دائمة..هناك أيام ثقيلة، وأيام رمادية، وأيام
لانعرف فيها ما نريد..وهذا جزء من طبيعة الإنسان..لا أحد يعيش في خط مستقيم..المشاعر تتقلب، والظروف تتغير، والإنسان نفسه يتبدل. وربما لهذا السبب تكون لحظات السعادة ثمينة لأنها تأتي كاستراحة قصيرة وسط الطريق،
لاكإقامة دائمة.
أحياناً أشعر أن السعادة تشبه نافذة تُفتح فجأة في غرفة مزدحمة..لاتغيّر الغرفة كلها لكنها تسمح بدخول هواء يكفي لأن نتنفس..لا تعدنا بشيء، لكنها تمنحنا فرصة لنرى الأشياء بوضوح أكبر. وربما هذا هو جوهرها..أنها لاتعد، ولاتضمن، لكنها حين تأتي تترك أثراً لا يزول بسهولة.