قلب امرأة غيّر مصير بلزاك

قلب امرأة غيّر مصير بلزاك

لم يكن (أونوريه دي بلزاك) شاباً محظوظاً حين بدأ طريقه..وُلد في أسرة لم تكن ترى في الأدب مهنة يمكن أن يعيش منها الإنسان، وكان عليه أن يقنع أهله أولاً بأنه لا يريد أن يصبح موظفاً أو محامياً، بل كاتباً..لم ينجح في إقناعهم، لكنه مضى في طريقه على أي حال..استأجر غرفاً صغيرة، وكتب روايات لم يلتفت إليها أحد، وتراكمت عليه الديون حتى صار يهرب من أصحابها..كان يكتب طوال الليل تقريباً، ويستيقظ منهكاً، لكنه يعود إلى الورق كأن لا خيار آخر أمامه.
في تلك الفترة كان يشعر أنه يسير في طريق لانهاية له..كل ما حوله كان يدفعه إلى الاعتراف بالفشل أسرته التي فقدت صبرها..الناشرون الذين يرفضون أعماله..والديون التي تكبر كل شهر.
وفي لحظة من تلك اللحظات التي يختلط فيها التعب بالخوف، فكر في أن يتوقف عن كل شيء.. لم يكن يفكر في (نهاية درامية) بل في رغبة صامتة بأن يتوقف هذا الصراع الذي لا يبدو أنه سيقوده إلى أي مكان.
كانت هناك امرأة واحدة فقط بقيت قريبة منه (لورانس دو بيرني) كانت تكبره بسنوات لكنها كانت أول من قرأ كتاباته بجدية وأول من عامله كما لو أن ما يكتبه يستحق أن يُسمع..لم تكن ناقدة ولا كاتبة، لكنها كانت تملك قدرة على فهمه أكثر مما يفهم نفسه.
عندما ذهب إليها في يوم ثقيل وأخبرها بما يفكر فيه، لم تزد على أن تحدثت معه بهدوء..لم تَعِده بشهرة ولا نجاح، لكنها قالت له إن عليه أن يكتب لأنه لايعرف أن يعيش بطريقة أخرى وإن ما يمر به ليس دليلاً على أنه بلا قيمة.
كانت كلماتها بسيطة لكنها جاءت من شخص يعرفه جيداً..لم تكن تحاول أن تنقذه، لكنها كانت صادقة بما يكفي ليشعر أنه ليس وحده..عاد إلى الكتابة، لا لأنه أصبح متفائلاً، بل لأنه شعر أن هناك من يراه كما هو، دون مبالغة ودون حكم..
ومع مرور السنوات، بدأ اسمه يظهر..كتب رواياته التي أصبحت فيما بعد جزءاً من الأدب الفرنسي وشيئاً فشيئاً صار (بلزاك) ذلك الكاتب الذي يُدرّس في الجامعات وتُقرأ أعماله في العالم كله..لكنه لم ينسَ أبداً أن امرأة واحدة كانت السبب في أن حياته لم تنتهِ قبل أن تبدأ فعلاً..كان يكتب عن النساء كثيراً، لا من باب المديح، بل لأنه عرف من تجربته أن المرأة قد تكون أحياناً أكثر ثباتاً من الظروف، وأكثر صدقاً من الكلمات..
وعندما حقق ما كان يحلم به من مال وبيت وزواج لم يعش طويلاً ليستمتع بكل ذلك..رحل وهو يعرف أن الطريق الذي قطعه لم يكن ليكتمل لولا تلك اليد التي امتدت إليه في اللحظة التي كان فيها أقرب ما يكون إلى السقوط.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *