فريد الأطرش وصوت الأيام البعيدة
فريد الأطرش وصوت الأيام البعيدة
أحياناً حين نعود إلى سِيَر الفنانين نكتشف أن مايبقى منهم ليس أصواتهم ولا ألحانهم، بل تلك الظلال الصغيرة التي تركوها خلفهم.. والفنان (فريد الأطرش) واحد من الذين تركوا ظلاً لايشبه أحداً..ظلّاً هادئاً كأنه امتداد لنبرة حزنه التي لم تُفارق صوته يوماً.
لا أعرف إن كان (فريد الأطرش) قد شعر في طفولته بأن العالم يضيق عليه، أو أنه كان أكبر من المكان الذي وُلد فيه..لكن ما أعرفه أن طفلاً يتنقّل بين بلاد لا يفهم أسماءها بعد، لا بد أن يحمل شيئاً من القلق معه.
وُلد (فريد الأطرش) في جبل الدروز، ثم وجد نفسه في تركيا، ثم في لبنان، ثم في القاهرة..كل هذا قبل أن يتعلّم كيف يكتب اسمه جيداً..ربما لهذا السبب كان يميل إلى الصمت..الصمت الذي يشبه محاولة ترتيب ما لا يمكن ترتيبه.
في القاهرة، لم يكن (فريد الأطرش) جزءاً من ضجيج المدينة..كان يمشي فيها كما يمشي الغريب الذي لا يريد أن يزعج أحداً..يمرّ بجانب المقاهي، يلتفت إلى أصوات لا يعرف أصحابها، ثم يكمل طريقه..الموسيقى كانت الشيء الوحيد الذي يوقفه..شيء يشبه النداء..شيء لايحتاج إلى لغة.
حين دخل معهد الموسيقى، لم يكن يبحث عن مجد، ولا عن لقب..كان يبحث عن مكان يضع فيه نفسه..العود لم يكن آلة بالنسبة إليه، بل كان مساحة آمنة..مساحة يمكنه أن يخطئ فيها دون أن يلومه أحد..وربما لهذا السبب ظلّ مخلصاً له طوال حياته، كأن بينهما اتفاقاً لايعرفه أحد..
لكن الحياة لم تكن تنتظر أن ينتهي من دراسته.. كان عليه أن يعمل، أن يساعد أسرته، أن يكون رجلاً قبل أن يكون فناناً..عمل بائعاً للقماش، ووقف ساعات طويلة تحت الشمس، يحمل
ما يستطيع ويخفي ما لايستطيع قوله..
لا أعرف إن كان يشعر بالظلم، أو أنه كان يعتبر الأمر جزءاً من الطريق! لكن المؤكد أنه لم يتخلّ عن حلمه، حتى وهو يقطع الشوارع جيئة وذهاباً.
هناك لحظة في حياة كل فنان لا يعرف كيف يصفها..لحظة يشعر فيها أن الطريق الذي كان يسير فيه بلا يقين، أصبح فجأة واضحاً..بالنسبة لفريد ربما كانت تلك اللحظة حين وقف على المسرح لأول مرة..لم يكن المسرح كبيراً
ولا الجمهور كثيراً لكن شيئاً ما حدث..شيء يشبه أن يجد الإنسان صوته بعد صمت طويل..غنّى ولم يكن يعرف إن كان صوته سيصل إلى أحد لكنه وصل..وصل بما يكفي ليجعله يستمر.
ومع الوقت، صار اسمه معروفاً..ليس بسرعة
ولابضجيج بل بهدوء يشبهه..غنّى ولحّن ووقف أمام الكاميرا، لكنه لم يتخلّ عن ذلك الحزن الخفيف الذي يسكن صوته..الحزن الذي لم يكن ضعفاً بل كان جزءاً من صدقه..جزءاً من الطريقة التي يرى بها العالم.
(أسمهان) شقيقته كانت جزءاً من هذا العالم أيضاً..صوتها كان يفتح له باباً آخر باباً فيه جمال لايمكن تفسيره ومع ذلك كانت حياتهما معاً مليئة بما لايُقال..الفرح القصير والخسارات الطويلة، والذكريات التي لا يعرف أحد كيف تُروى.
حين نقرأ عن (فريد الأطرش) اليوم نقرأ عن أفلامه عن ألحانه عن حفلاته..لكن ما يبقى فعلاً هو تلك النبرة التي لا تشبه أحداً..نبرة فيها شيء من طفل يبحث عن مكانه، وشيء من رجل يعرف أن الطريق لم يكن سهلاً، وشيء من فنان لا يريد أن يثبت شيئاً لأحد.
وعندما رحل، لم يرحل بصخب..رحل كما عاش بهدوء..ترك وراءه موسيقى تمشي وحدها وتجد طريقها إلى الناس دون أن تحتاج إلى تفسير. موسيقى فيها صدق لا يمكن تقليده وحزن لايمكن تزويره، وإنسان عاش كثيراً، وخسر كثيراً، وأحبّ كثيراً، لكنه ظلّ محتفظاً بشيء من الطيبة التي لاتتغير.
ربما هذا هو سرّه..أنه لم يحاول أن يكون أسطورة..كان فقط نفسه..وهذا أصعب ما يمكن أن يكونه الإنسان.