لعنة الجوال
لعنة الجوال
من المدهش أن هذا الجهاز الصغير الذي نحمله في جيوبنا صار يُتهم بكل خطايا العصر..كأن (الجوال) هو الذي أفسد العلاقات، وهو الذي سرق الوقت، وهو الذي جعل الناس تنسى وجوه بعضها..تسمع البعض يتحدث عنه وكأنه لعنة نزلت على الأرض، بينما الحقيقة أن اللعنات
لا تأتي بهذا الحجم الصغير ولابهذا اللمعان الذي يشبه لمعان عين طفل يكتشف العالم لأول مرة.
أحياناً أشعر أن خوف الناس من (الجوال) ليس خوفاً من الجهاز نفسه، بل خوف من التغيير الذي جاء معه..الإنسان بطبيعته يخاف حين يرى العالم يتبدل أمامه بسرعة لا تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه وهذا الخوف قديم أقدم من الجوال بكثير.. كل اختراع جديد كان يمر بالمرحلة نفسها مرحلة الاتهام، ثم الرفض، ثم القبول، ثم يصبح جزءاً من الحياة لدرجة أننا ننسى أنه كان غريباً يوماً ما.
عندما ظهر الكتاب المطبوع ارتجف البعض كأن الكلمات ستقفز من الصفحات وتبتلع العقول..قيل إن الناس ستترك العبادة، وستنشغل بالقراءة، وكأن المعرفة عدو يجب الحذر منه..وبعد أن صار الكتاب صديقاً للإنسان، ظهر من يخاف من الجرائد أو الصحف لأنها ستقتل الكتاب..ثم جاء من يخاف من السينما لأنها ستسرق الطلاب من مدارسهم، ومن التلفزيون لأنه سيخرب البيوت، ومن الهاتف لأنه سيجعل الناس تتكاسل عن زيارة أقاربها..وكأن كل اختراع جديد هو متهم حتى تثبت براءته.
اليوم يتكرر المشهد نفسه مع (الجوال) هناك من يراه باباً للضياع، ومن يراه سبباً في ضياع التركيز، ومن يحمّله مسؤولية كل ما يحدث في المجتمع..لكن الحقيقة أن (الجوال) لم يخترع الوحدة، ولم يخلق الفراغ، ولم يزرع الإدمان في قلب أحد..هو مجرد مرآة، تعكس ما في داخل الإنسان..من كان يبحث عن المعرفة وجد فيها عالماً واسعاً..ومن كان يبحث عن الهروب وجد طريقاً سهلاً..ومن كان يحمل في داخله قلقاً أو فراغاً وجد مساحة يملؤها بما يشاء.
(الجوال) ليس ملاكاً ولا شيطاناً..هو مجرد أداة، مثل الكتاب، مثل السيارة، مثل أي شيء صنعته يد الإنسان..الأداة لا تفرض سلوكاً، ولا تخلق رغبة، ولا تغيّر إنساناً لا يريد أن يتغير..الإنسان هو الذي يقرر كيف يستخدمها، وهو الذي يحدد إن كانت ستضيف إلى حياته أم ستأخذ منه.
ربما المشكلة ليست في (الجوال) بل في أننا لم نتعلم بعد كيف نعيش في عالم مفتوح بهذا الشكل.. عالم تختلط فيه الأصوات وتتداخل فيه الصور، وتتسارع فيه الأخبار..عالم يحتاج إلى وعي أكثر من أي وقت مضى، وإلى قدرة على اختيار ما يفيد وترك ما يضر..(الجوال) لم يسرق أحداً من حياته، بل كشف له كم كان يهرب منها. لم يخلق المسافات بين الناس، بل أظهرها كما هي.
هناك لحظة صادقة تحدث حين تضع (الجوال) جانباً، وتنظر حولك، وتكتشف أن العالم ما زال هنا، وأن العلاقات لا تزال تحتاج إلى صوتك الحقيقي، وأن الوقت لا يزال قابلاً لأن يُعاش دون شاشة..في تلك اللحظة تدرك أن (الجوال) لم يكن لعنة، بل مجرد ضيف جديد في حياة مزدحمة، ضيف يبالغ البعض في اتهامه لأنه الأسهل، بينما الحقيقة أعمق بكثير من شاشة مضيئة.