بعض الخيبات تأتي متأخرة

بعض الخيبات تأتي متأخرة

في الحياة أشياء لا نفهمها إلا بعد فوات الأوان..ومن أعجب تلك الأشياء أن بعض الرجال مهما تقدمت بهم الأعوام واشتعلت رؤوسهم شيباً يبقى في داخلهم ذلك الفتى الصغير الذي يبحث عن كلمة طيبة..وعن قلب يطمئن إليه..وعن يد تمتد نحوه حين يثقل عليه الطريق.
الناس ينظرون إلى الرجل فيرون منصبه وخبرته وهيبته..لكنهم لا يرون ذلك الاحتياج الإنساني العميق الذي يخفيه خلف ابتسامته ورباطة جأشه.
تذكرت هذه الحقيقة كلما تذكرت رجلاً عرفته أثناء عملي في جدة عام 2010 كان أكبر مني سناً وتجربة لكنه لم يكن بالنسبة لي مجرد صديق أو معرفة عابرة..بل كان أشبه بأستاذ أتلقى منه دروس الحياة دون أن أشعر..كان يملك شخصية آسرة وكاريزما نادرة فإذا دخل مجلساً التفت حوله الأنظار دون أن يتكلف ذلك..وكان كريماً على نحو يجعل الزائر يشعر أنه في بيته لا في مكتب رجل أعمال.
مرت السنوات..وتقاعد الرجل من عمله..ثم افتتح شركة كبيرة في جدة وكنت أزوره بين حين وآخر لا لعمل أو مصلحة..وإنما لشوقي إلى مجالسته والاستماع إلى حديثه..كنا نتبادل النقاش حول المقالات التي أكتبها سياسية كانت أم أدبية أم ثقافية..وكان يقرأها بعين الخبير ويمنحني من ملاحظاته ما لا أجده في عشرات الكتب..ولم يكن يبخل عليّ بالنصح أبداً بل كان يرى في نجاح الآخرين متعة حقيقية.
وفي عام 2018 بدأت ألاحظ شيئاً مختلفاً في حديثه..كان يذكر موظفة جديدة التحقت بالشركة..فتاة تحمل شهادة في السكرتارية فعينها للعمل في مكتبه في البداية كان حديثه عنها عادياً ثم أخذ يتكرر شيئاً فشيئاً حتى أصبحت حاضرة في معظم أحاديثنا.
كان يحدثني عن لطفها وأسلوبها الراقي..وعن ورود صغيرة تضعها أحياناً على مكتبه..وعن كلمات الترحيب التي تستقبله بها كل صباح..وربما كان ما تفعله جزءاً طبيعياً من عملها فوظيفة السكرتيرة تقوم على حسن التعامل واللباقة لكنه لم يكن يراها كذلك..كان يراها رسائل خاصة موجهة إليه وحده.
وذات مرة قال لي بثقة لم أعتدها منه:
(أشعر أنها تبادلني الإعجاب)
نظرت إليه طويلاً ولم أشأ أن أجرحه لكنني قلت له بهدوء:
(الحب لا يقوم على الظنون..ولا يعيش على التلميحات..إن كان في قلبك شيء فصارحها)
ابتسم وقال:
(سيأتي الوقت المناسب)
كان الحب قد دخل قلبه متأخراً لكنه دخل بقوة..وكنت أرى ذلك في عينيه كلما ذكر اسمها..كان الرجل الذي تجاوز مرحلة الاندفاع يتحدث عنها أحياناً بلهجة شاب يعيش أول قصة حب في حياته.
وفي أحد الأيام سألته مازحاً:
(ألا ترى أن فارق العمر قد يكون عقبة؟)
فأجابني بثقة غريبة:
(حين تتقارب الأرواح تصبح الأرقام مجرد تفاصيل)
لم أجادله..كنت أرى السعادة في كلامه ولم أشأ أن أنتزعها منه.
ثم اختفى فجأة.
أصبحت اتصل به فلا يجيب..أبحث عنه في الشركة فلا أجده..وحتى (جواله) كان مغلقاً معظم الوقت..تسلل القلق إلى نفسي فهو ليس من النوع الذي ينقطع عن الناس دون سبب..أخذت عنوان منزله من الشركة وذهبت إليه.
وحين فتح الباب عرفته بصعوبة.. لم يكن المرض هو الذي غيره..بل الحزن.. جلسنا متقابلين..وكانت ملامحه تروي قصة لم يبدأ لسانه بعد في روايتها..وبعد صمت طويل قال:
(تذكر الفتاة التي حدثتك عنها يافهد؟)
أومأت برأسي.
قال بصوت خافت:
(طلبت مني أن أوظف شخصاً في الشركة..وحين سألتها عنه أخبرتني أنه خطيبها..وابن خالتها. قالت إنهما مخطوبان منذ خمس سنوات، وأنها تحبه ويحبها)
سكت قليلاً..ثم أدار وجهه بعيداً..كانت دمعة صغيرة تقاوم السقوط من عينيه.
في تلك اللحظة أدركت كم يكون الألم قاسياً حين يصنع الإنسان قصة كاملة من الإشارات ثم يكتشف أن الطرف الآخر لم يكن يقرأ الكتاب نفسه.
حاولت أن أخفف عنه..وقلت إن الطيبة التي يحملها في قلبه لا تستحق أن تُعاقب بسبب سوء تقدير..وإن الرجل النبيل لا تنقصه امرأة لم تكتبه الأقدار له..وقلت له إن ما منحها من احترام ومودة سيبقى دليلاً على نقاء قلبه لاعلى خسارته.
غادرت منزله يومها لكن صورته الحزينة بقيت تلازمني طويلاً.
وفي شهر فبراير عام 2019 كنت أتصفح جريدة عكاظ حين وقعت عيني على إعلان نعي..قرأت الاسم مرة ثم مرتين ثم شعرت كأن الأرض تدور بي.
لقد رحل.
علمت لاحقاً أنه توفي في لندن بعد صراع مع سرطان الدم لم يدم سوى عام واحد.. أغلقت الصحيفة..وبقيت أحدق في الفراغ طويلاً.
لم أحزن لأنه مات فقط فالموت حق على الجميع لكنني حزنت لأن الحياة منحته أملاً متأخراً ثم سحبته منه سريعاً..وحزنت لأن كثيراً من الناس ينسون أن الرجل مهما بدا قوياً يبقى محتاجاً إلى الاحتواء والكلمة الحانية والشعور بأنه محبوب.
ومنذ ذلك اليوم كلما سمعت من يسخر من مشاعر رجل تجاوز الخمسين أو الستين تذكرت صديقي الراحل رحمه الله فالقلب لا يعترف بالتقويم..ولا يسأل عن العمر قبل أن يحب..وقد يشيخ الجسد وتضعف الخطوات لكن هناك أشياء في داخل الإنسان لا تكبر أبداً وأهمها حاجته إلى أن يجد من يقول له بصدق:
( أنت مهم..وأنت محبوب..ولست وحدك في هذا العالم)
رحم الله صديقي واستاذي فقد علمني دون أن يقصد أن أكثر القلوب وقاراً قد تحمل أعمق الجراح صمتاً.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *