ذاكرة رجل من زمن جميل
ذاكرة رجل من زمن جميل
قبل أيام وبين أوراق قديمة احتفظت بها منذ سنوات وجدت ورقة صفراء باهتة كانت تحمل بخط يدي أسماء كتب كنت أنوي شراءها ذات يوم وقفت أمامها طويلاً ليس لأن الورقة مهمة في ذاتها بل لأنها أعادتني دفعة واحدة إلى زمن مضى..وإلى مكان كان جزءاً من تفاصيل شبابي.. وإلى رجل من ذلك الجيل النادر الذي يترك أثراً عميقاً في الناس ثم يرحل بهدوء تاركاً خلفه سيرة تكبر كلما ابتعد الزمن.
تذكرت العم الشيخ (ياسين زمان) -رحمه الله- صاحب مكتبة دار الزمان بالمدينة المنورة.
عرفته وأنا طالب في ثانوية أحد بحارة النصر عام 1995..كنت وقتها مولعاً بالقراءة إلى حد يصعب وصفه..لم تكن القراءة بالنسبة لي هواية عابرة أمارسها حين يتوفر الوقت..بل كانت عالماً كاملاً أهرب إليه كلما ضاقت الدنيا أو أثقلتني مشاغل الدراسة..كنت أقرأ الكتب الثقافية وأتقلب بين الموسوعات العلمية..وأجد في الشعر متعة خاصة ولا سيما شعر (المتنبي) وحكم (الإمام الشافعي) ولذلك كانت زيارتي لمكتبة دار الزمان أشبه بزيارة عاشق لمكان يعرف أنه سيجد فيه مايحب.
كانت المكتبة آنذاك بالقرب من المسجد النبوي الشريف قبل انتقالها لاحقاً إلى حي السحمان وما زلت أذكر تلك الرفوف الممتدة والكتب المتراصة ورائحة الورق التي كانت تستقبل الزائر من اللحظة الأولى..لكن ما كان يجذبني أكثر من الكتب نفسها هو ذلك الرجل الجالس خلف مكتبه..
لم يكن العم (ياسين زمان) مجرد بائع كتب كما يتصور البعض..كانت بينه وبين العلم علاقة مختلفة تماماً..رجل تربى على يد والده -رحمه الله- على محبة القرآن الكريم وتعظيم العلم وأهله ولذلك كنت تشعر وأنت تجلس معه أن الحديث عن المعرفة ليس عملاً يمارسه..بل جزء من تكوينه الإنساني.
كنت أزوره بشكل شبه أسبوعي..أحياناً أدخل المكتبة وفي ذهني كتاب محدد ثم أخرج بعد ساعات من الحديث معه وقد نسيت الكتاب الذي جئت من أجله أصلاً..كان الحديث معه ممتعاً إلى درجة تجعل الوقت يمضي سريعاً دون أن تشعر..لم يكن كثير الكلام لكنه كان يعرف كيف يترك في النفس أثراً لا ينسى.
ولعل أجمل ما أتذكره عنه أنه كان يرى في طالب العلم مشروعاً يستحق الدعم والتشجيع..كان يعرف مقدار حبي للقراءة ولذلك كثيراً ما كان يفاجئني بإهداءات من الكتب الثقافية والعلمية دون مقابل لم يكن يفعل ذلك من باب المجاملة..وإنما من قناعة حقيقية بأن الكتاب قد يغير حياة إنسان..وبعض تلك الكتب ما زالت في مكتبتي حتى اليوم..وكلما وقعت عيني عليها تذكرت صاحبه قبل أن أتذكر محتواها.
وأعترف أنني كثيراً ما كنت أحدق في وجهه أثناء الحديث..كان هناك شيء من الطمأنينة يصعب تفسيره..ابتسامة هادئة لا تفارقه..وملامح رجل مديني لا يحمل في قلبه إلا الخير..البعض قد يظن أن الحديث عن البركة والنور في وجوه الناس نوع من المبالغة لكن من عرف بعض الرجال الصالحين يدرك أن للأرواح الطيبة حضوراً خاصاً لا يحتاج إلى شرح.
ولم تكن محبته للناس كلاماً يقال..كان يترجمها أفعالاً يومية يراها من حوله..عُرف بمساعدته للمعوزين..وكان شهر رمضان بالنسبة له موسماً مضاعفاً للعطاء ولأن المواقف الصادقة لا تُنسى فما زالت صورة عالقة في ذاكرتي منذ عام 2003.
كنت أجلس في المكتبة حينها..وكان الموظف المصري المعروف ب(أبو العيون) موجوداً.. حضرت سيدة لشراء بعض الكتب والملازم ثم بدا عليها الارتباك عندما اكتشفت أن المال الذي معها لا يكفي..توقعت وقتها أن تعيد بعض ما اختارته أو تؤجل شراءه لكن العم (ياسين زمان) رحمه الله قال لها بكل بساطة وعفوية:
(روحي يا بنتي إذا قدرتي جيبيها..وإذا ما قدرتي أنا مسامحك)
قالها بطريقة عادية جداً وكأنه يؤدي أمراً لا يستحق الذكر..أما أنا فبقيت أتأمل الموقف بعد خروجها..كم من الناس يستطيع أن يفعل الخير؟
كثيرون..لكن كم من الناس يفعلونه بهذه البساطة..دون استعراض أو انتظار شكر أو إشادة؟
هنا يكمن الفرق.
تمر السنوات سريعاً وننشغل بأعمالنا وحياتنا ثم نفاجأ بأن الذين كانوا جزءاً من أيامنا الجميلة قد رحلوا الواحد تلو الآخر..وعندما يرحل أمثال العم (ياسين زمان) رحمه الله نشعر أن الخسارة لا تخص أسرته وحدها أو معارفه فقط بل تخص مدينة كاملة فقدت واحداً من وجوهها الطيبة.
رحل العم(ياسين زمان) لكن الأشياء الجميلة لا ترحل بالكامل..يبقى أثرها معلقاً في الذاكرة.. تبقى الكتب التي ساعد على نشرها..والطلاب الذين شجعهم..والفقراء الذين أعانهم.. والابتسامات التي زرعها في نفوس الناس دون أن يشعروا.
وربما هذه هي الحياة في أبسط معانيها لا يبقى الإنسان بما جمعه من مال..ولا بعدد السنوات التي عاشها..وإنما بما تركه في قلوب الآخرين..وبعض الناس يرحلون فتغلق الصفحة معهم.. وبعضهم يرحلون فتبدأ الحكاية الحقيقية بعد رحيلهم.
رحم الله العم الشيخ (ياسين زمان) رحمة واسعة وأكرم نزله وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء وبارك في أبنائه من بعده.
أما نحن الذين عرفناه فكلما مررنا بمكتبة..أو فتحنا كتاباً قديماً..أو تذكرنا زمناً كانت فيه الوجوه أكثر بساطة والقلوب أكثر صفاء عاد اسمه إلى الذاكرة من جديد..وعادت معه غصة هادئة
لاتشبه الحزن بقدر ما تشبه الوفاء.