وجهاً لوجه مع الموت

وجهاً لوجه مع الموت

عند الساعة العاشرة مساء كنت أتابع نشرة الأخبار على قناة العربية حين مر خبر سقوط الطائرة الأمريكية للوهلة الأولى ظننته خبراً يشبه عشرات الأخبار التي تعبر أمام أعيننا كل يوم ثم تمضي..لكنني لم أكن أعلم أنني بعد دقائق سأبقى أحدق في الشاشة وكأنني أنظر إلى مشهد من رواية حزينة كُتبت نهايتها على عجل..كانت الصور تتوالى..والنيران ترتفع من موقع الارتطام،..وأسماء المدن والمطارات تُذكر تباعاً لكن الذي استوقفني لم يكن الطائرة ولا الحريق ولا حتى عدد الضحايا..بل تلك اللحظات الأخيرة التي سبقت النهاية.
يقول الشاعر:
دقّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ لهُ
إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثوانِ
وما أقسى أن يدرك الإنسان حقيقة هذا البيت في لحظة كهذه..تسعة أشخاص كانوا قبل دقائق فقط يعبرون السماء..بينهم من كان ينتظر الوصول..ومن كان يفكر في موعد قادم..ومن كان يظن أن أمامه من العمر متسعاً ليؤجل أحلامه إلى الغد..لم يكن أحد منهم يعلم أن الغد لن يأتي بالنسبة إليه أبداً.
كلما قرأت تفاصيل الحادث شعرت أن المأساة لم تبدأ لحظة ارتطام الطائرة بالأرض..بل بدأت قبل ذلك بوقت قصير داخل تلك المقصورة المغلقة التي كانت تتأرجح بين الأمل والخوف..هناك حيث كانت أجهزة الملاحة تومض..وحيث كانت الكلمات تخرج متلاحقة عبر أجهزة الاتصال.. وحيث كان الطاقم يحاول أن ينتزع من القدر فرصة أخيرة للنجاة..أتخيل تلك الوجوه في تلك اللحظات..وأتخيل نظرات الركاب وهم يشعرون أن شيئاً غير طبيعي يحدث..وأن الطائرة التي كانت تسير بثبات قبل قليل أصبحت تتصرف بطريقة لا تبعث على الطمأنينة.
لا أحد يعرف ما الذي دار في صدورهم على وجه التحديد لكن الإنسان بطبيعته واحد حين تقترب منه النهاية لا يفكر في الأموال التي جمعها..ولا في المناصب التي شغلها..ولا في الخلافات الصغيرة التي استنزفت أيامه..يعود قلبه إلى أبسط الأشياء وأكثرها صدقاً..يتذكر أمه.. ويتذكر والده.. ويتذكر أبناءه إن كان له أبناء..ويتذكر الوجوه التي أحبها والمواقف التي عاشها والضحكات التي ظن يوماً أنها عادية ثم اكتشف متأخراً أنها كانت من أثمن مايملك.
وأنا أتابع التسجيلات المنقولة عن الدقائق الأخيرة شعرت بحزن خاص تجاه تلك العبارة التي قيل إنها كانت من آخر الكلمات المسموعة قبل انقطاع الاتصال..لم أرى فيها مجرد كلمات خرجت وسط أزمة جوية..بل رأيت فيها تلخيصاً مؤلماً لحكاية الإنسان مع الزمن كله..فنحن نمضي في حياتنا وكأن الوقت ملك لنا..وكأن الأيام مخزونة في جيوبنا..نؤجل الاعتذار إلى الأسبوع القادم.. ونؤجل زيارة قريب اشتقنا إليه..ونؤجل كلمة حب أو شكر أو امتنان لأننا نظن أن الفرصة ستبقى متاحة دائماً..ثم تأتي حادثة كهذه لتذكرنا بأن بين الإنسان وبين النهاية مسافة قد لا تزيد على دقائق معدودة.
بعض الناس ينظرون إلى مثل هذه الحوادث من زاوية فنية بحتة..فيسألون عن الأعطال والأجهزة والظروف الجوية وخطأ البشر..وربما كان ذلك مهماً بالنسبة للمحققين والمتخصصين.. أما (فهد الحربي) فيراها من زاوية أخرى..أراها حكايات إنسانية توقفت فجأة..أرى خلف كل اسم قصة كاملة لم تكتمل فصولها..أرى أماً قد تنتظر خبراً سعيداً فيتحول الانتظار إلى مأتم.. وأرى أباً كان يعد الأيام للقاء عزيز عليه فإذا بالأيام كلها تنقلب في لحظة واحدة.
لهذا أشعر دائماً أن الأخبار لا تكون صادقة إلا حين نرى البشر خلف الأرقام..فالتسعة الذين رحلوا في تلك الطائرة ليسوا رقماً في تقرير إخباري..بل أعمار كاملة..وذكريات كاملة..وأحلام كاملة انطفأت دفعة واحدة..وربما لهذا السبب بقي الخبر عالقاً في ذهني رغم مرور ساعات على مشاهدته..لم تكن النار هي ما أثّر في نفسي..ولا صورة الحفرة التي خلفها الارتطام بل ذلك الإحساس الثقيل بأن الحياة يمكن أن تتبدل في لحظة لاتسبقها مقدمات كافية.
أغلقت (التلفزيون) بعد انتهاء النشرة لكن الحادثة بقيت ترافقني..بقيت أفكر في أولئك الذين استيقظوا صباح ذلك اليوم وهم يظنون أن رحلتهم ستكون يوماً عادياً من أيام العمر ولم يكونوا يعلمون أن أسماءهم ستتحول مع حلول المساء إلى خبر عاجل يتناقله الناس حول العالم..عندها فقط أدركت أن العمر ليس بعدد السنين التي نعيشها..بل باللحظات التي نمنحها لمن نحب.. وبالأثر الذي نتركه خلفنا عندما يحين موعد الرحيل..فبعض المسافرين يغادرون المطارات ليصلوا إلى وجهاتهم..وبعضهم يغادرون الدنيا كلها دون أن يعلموا أن تلك الرحلة ستكون الأخيرة.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *