ترك لها الورد..وتركت له الرسائل

ترك لها الورد..وتركت له الرسائل

في عام 2022 قرأت خبراً مر على كثير من الناس كأي خبر عابر لكنه بقي عالقاً في ذاكرتي حتى اليوم..كان يتحدث عن سيدة مصرية تُدعى (مروة) اعتادت أن تترك رسائل مكتوبة على قبر زوجها الراحل تخبره فيها بما جرى في يومها..وتحدثه عن أهلها وأحوالها وكأنه ما زال يجلس في البيت ينتظر عودتها..يومها انقسم الناس بين متعاطف ومستغرب..وبين من رأى في الأمر حباً عظيماً ومن رآه حزناً لم يجد طريقه إلى الشفاء. أما أنا فلم أتوقف كثيراً عند الرسائل نفسها بل توقفت عند شيء آخر تماماً.
توقفت عند ذلك السؤال القديم الذي يتردد في داخلي منذ سنوات:
هل يموت الحب فعلاً؟
لما سمعت أحداً يقول إن الزمن يطوي كل شيء كنت أبتسم فقط نعم الزمن يغير الملامح ويبدل الأحوال ويجبر الناس أحياناً على الرحيل لكنه لا يملك تلك السلطة المطلقة التي يظنها البعض على القلوب..هناك مشاعر حقيقية تبقى رغم كل شيء قد تصمت..قد تهدأ..قد تختبئ في زاوية بعيدة من الروح لكنها لا تموت.
وأظن أن (مروة) لم تكن تكتب على قبر زوجها لأنها تعجز عن فهم الموت كما تصور البعض..بل لأنها كانت عاجزة عن إلغاء حضوره من قلبها هناك فرق كبير بين الأمرين.
عندما قرأت تفاصيل حياتهما فهمت شيئاً من سر الحكاية لم يكن الرجل ثرياً ولا مشهوراً..ولم يتحدث الخبر عن قصور ولا هدايا باهظة..الذي بقي في ذاكرة زوجته أشياء أبسط من ذلك بكثير..رجل يعتني بأمه المريضة قبل أن يفكر في نفسه..رجل يقبل رأس والدة زوجته احتراماً ومحبة..رجل لا ينسى أن يحمل لزوجته وردة أو كلمة جميلة تشعرها بقيمتها..أشياء صغيرة جداً لكنها من تلك الأشياء التي لا يراها الغرباء بينما تبني داخل القلب مدينة كاملة من المودة.. لهذا لم أستغرب تعلقها به بعد رحيله.
فالمرأة حين تحب حباً صادقاً لا تحب بعينيها فقط..بل بكل ذاكرتها..تتعلق بالتفاصيل التي قد ينسى الرجل أنه فعلها أصلاً..تتذكر طريقته في السؤال.. ونبرة صوته..والأشياء التي كان يقولها دون مناسبة ولذلك فإن الرجل الذي يمنح امرأة قلبه بصدق لا يحصل على حب يساوي ما أعطى بل غالباً يحصل على أكثر مما يتخيل.
وللإنصاف لا أقول إن هذا ينطبق على كل النساء ولا على كل قصص الحب..الحياة أعقد من أن نحصرها في قاعدة واحدة..هناك رجال أوفياء حتى الرمق الأخير..وهناك نساء يعبر الحب حياتهن دون أن يترك أثراً عميقاً لكنني ما زلت أعتقد أن المرأة إذا أحبت من أعماقها فإن وفاءها يصبح أمراً يصعب تفسيره بالحسابات والمنطق.
وربما لهذا خلدت قصص كثيرة عبر التاريخ..لم يبقي الناس ذكرى (روميو وجولييت) أو (ليلى وقيس) لأن النهاية كانت حزينة فقط..بل لأن المشاعر فيهما كانت أقوى من الظروف التي حاولت إخمادها..الناس بطبعهم ينسون آلاف القصص العادية لكنهم يحتفظون بالحكايات التي تثبت أن القلب أحياناً يرفض الاستسلام.
لهذا تأثرت بقصة (مروة) أكثر مما توقعت.
لم أر فيها امرأة تكتب رسائل على قبر..بل رأيت إنسانة ما زالت تجد أن الشخص الذي أحبته يستحق أن تشاركه يومها حتى بعد أن غاب..قد يختلف البعض معها..وقد يرى آخرون أن عليها أن تتجاوز حزنها وتمضي في حياتها..وربما يكونون محقين من زاوية ما لكن بعيداً عن كل الآراء بقي في القصة شيء لايمكن إنكاره الا وهو الإخلاص.
وما أندر الإخلاص في زمن أصبحت فيه العلاقات أقصر عمراً من الذكريات نفسها.
بعد سنوات من قراءة ذلك الخبر ما زلت أردد القناعة ذاتها..الحب الحقيقي لا يموت..قد تتباعد الأجساد..وقد تغلق الأقدار الأبواب بين شخصين..وقد يرحل أحدهما إلى عالم لا يستطيع الآخر الوصول إليه لكن الأرواح التي التقت بصدق تبقى تعرف طريقها إلى بعضها..وربما كانت رسائل (مروة) كلها تقول هذه الحقيقة بكلمات مختلفة:
أن الغياب يستطيع أن يأخذ الأشخاص.. لكنه لا ينجح دائماً في انتزاعهم من القلوب.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *