آه من الذكريات
آه من الذكريات
لم أكن أظن أن الانتقال من بيت إلى آخر يمكن أن يهزني بهذه الطريقة..كنت أتعامل مع الموضوع في بدايته وكأنه خطوة عادية، مثل تغيير الطريق الذي أسلكه للعمل أو تبديل قطعة أثاث قديمة..لكن حين اقترب الموعد، بدأت أكتشف أنني لم أكن أعيش في ذلك البيت فقط..بل كنت أعيش معه.
في الليلة التي سبقت الانتقال جلست في الصالة المظلمة بعد أن أطفأت الأنوار، وتركت ضوء الشارع يتسلل من النافذة..شعرت بشيء يشبه الخوف، أو ربما الحنين قبل أوانه..كنت أسمع صوت القطط في الخارج، تلك التي اعتادت أن تنتظرني كل مساء لم تكن قططي ولم أكن أملكها، لكنها كانت تعرفني كما يعرف الطفل يد أمه..كنت أعود من يوم طويل، فأسمع مواءها قبل أن أصل للباب، فأبتسم رغم التعب..كنت أضع لها الطعام، وأجلس أحياناً على الدرج أراقبها وهي تأكل، وأحادثها بكلمات لا معنى لها، لكنها كانت ترفع رأسها نحوي وكأنها تفهم كل شيء.
فكرة أنني سأرحل وأتركها كانت تؤلمني بطريقة لم أتوقعها..كنت أتخيلها في اليوم التالي وهي تنتظرني، تبحث عن الخطوات التي اعتادت عليها، ولا تجد شيئاً كنت أقول لنفسي:
(هي مجرد قطط) لكن قلبي كان يرد عليّ:
(لا تكذب.. لقد تعلّقت بها أكثر مما تعترف)
ولم تكن القطط وحدها ما يشدّني..هناك شجرة صغيرة في الفناء الخلفي، زرعتها بيدي قبل سنوات..يومها كانت مجرد غصن ضعيف، بالكاد يثبت نفسه في التراب..كنت أسقيها كل صباح، ليس لأنني مهووس بالزراعة، بل لأنني كنت أشعر أنني أعتني بشيء ينمو معي..كنت أراقبها تكبر، أوراقها تتفتح، ظلّها يزداد، حتى أصبحت جزءاً من يومي..كنت ألمس جذعها كلما مررت بجانبها، وأزيل الأوراق اليابسة عنها، وأحياناً أتكلم معها بصوت منخفض، كأنني أطمئنها أنني موجود.
حين أدركت أنني سأتركها، شعرت وكأنني أترك صديقاً شاركني سنوات طويلة من الصمت..كنت أخشى أن يهملها من يأتي بعدي، أو أن تموت عطشاً في يوم حار..كنت أفكر حتى في فكرة أن آخذها معي، لكن جذورها كانت قد تشبثت بالأرض، ولم أملك الجرأة على اقتلاعها.
في صباح الانتقال، كان البيت يبدو غريباً. الجدران عارية، الأرفف فارغة، والضوء يدخل بطريقة مختلفة كأن المكان نفسه يعرف أنني راحل حملت آخر صندوق، ثم توقفت عند الباب. لم أستطع أن أخرج فوراً..شعرت بأن شيئاً يضغط على صدري نظرت حولي، ورأيت كل اللحظات التي عشتها هنا تتجمع أمامي دفعة واحدة: ضحكات، خلافات، ليال طويلة، صباحات كسولة، أصوات المطر على النافذة، رائحة القهوة في المطبخ، خطواتي المتكررة في الممر.
تذكرت رجلاً أعرفه كان يقول إن الإنسان لا يترك الأماكن بسهولة، حتى لو أقنع نفسه بأنه قوي. كان يقول إن البيت يشبه العلاقة الطويلة قد تتعبك، قد تزعجك، لكنك حين تفارقها تشعر بأن جزءاً منك انكسر..وتذكرت امرأة أعرفها بكت قطتها عاماً كاملاً بعد أن فقدتها، رغم أن القطط موجودة في كل مكان..وتذكرت شاباً ظل يفتح باب قفص طائره الميت كل يوم، كأنه يرفض الاعتراف بأن النهاية حدثت.
كل هذه القصص مرت في رأسي وأنا أقف عند الباب..شعرت أنني أفهمها الآن أكثر من أي وقت مضى.
خرجت أخيراً وأغلقت الباب خلفي ببطء..سمعت مواء إحدى القطط فالتفتّ كانت تنظر إليّ بطريقة جعلتني أشعر بأنني أخونها..وضعت لها الطعام للمرة الأخيرة، ومسحت على رأسها، ثم ابتعدت. لم أجرؤ على النظر مرة أخرى.
في البيت الجديد ورغم أن كل شيء فيه أجمل وأوسع، شعرت بفراغ غريب..كنت أستيقظ في الصباح فأبحث بعيني عن الشجرة فلا أجدها..أفتح الباب فلا أرى القطط..أسمع الصمت فأدرك أن جزءاً من حياتي القديمة لم ينتقل معي.
لكنني بدأت أفهم شيئاً فشيئاً أن الذكريات لا تبقى في الجدران، بل في القلب..وأن الأماكن التي أحببناها لا تختفي، بل تتحول إلى نبض خفي يرافقنا أينما ذهبنا.
اليوم، حين أتذكر ذلك البيت أشعر أنني لم أغادره تماماً..جزء مني ما زال هناك يسقي الشجرة ويضع الطعام للقطط ويعيش تلك الأيام التي لن تعود لكنها لن تُنسى.