هل تطلب السعودية الحماية أم تمارس ما تفعله القوى العظمى؟
هل تطلب السعودية الحماية أم تمارس ما تفعله القوى العظمى؟
في كل مرة يُذكر فيها تعاون عسكري بين السعودية وأي دولة كبرى يخرج من يردد الفكرة ذاتها:
( لو كانت المملكة قوية لما احتاجت إلى التحالف مع أحد )
والحقيقة أن هذه الجملة تبدو جذابة في النقاشات السريعة لكنها لا تشبه الواقع كثيراً..لو أخذنا هذا المنطق على محمل الجد لاضطررنا إلى وصف معظم دول العالم الكبرى بأنها عاجزة عن حماية نفسها وهذا أمر لا يقبله التاريخ ولاتقبله الوقائع الحالية..الولايات المتحدة صاحبة أكبر ميزانية دفاع في العالم لم تدخل حرب الخليج عام 1991 منفردة بل شكلت تحالفاً ضم أكثر من ثلاثين دولة وعندما غزت العراق عام 2003 لم تتحرك وحدها كذلك حتى في أفغانستان شاركت معها عشرات الدول تحت مظلة حلف الناتو..لم يقل أحد يومها إن واشنطن كانت تبحث عمن يحميها
الأمر ببساطة أن الدول الكبرى لا تفكر بعقلية الفرد الذي يريد أن يحمل العبء وحده..هي تفكر بطريقة مختلفة تماماً..كلما توسع نطاق المصالح توسع نطاق الحلفاء وهذه ليست نظرية سياسية جديدة بل قاعدة قديمة جداً.
أتذكر هنا عبارة شهيرة نسبها كثير من المؤرخين إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق (اللورد بالمرستون) عام 1848 حين قال:
(إن بريطانيا لا تملك أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين وإنما تملك مصالح دائمة)
بعد مرور أكثر من 170 عاماً لا تزال هذه العبارة تفسر جانباً كبيراً من سلوك الدول.
حين بدأت السعودية عملياتها ضد ميليشيا الحوثي الإرهابية عام 2015 كانت المواجهة في جوهرها مرتبطة بأمنها الوطني لكن الأحداث لم تبقى محصورة داخل هذا الإطار.. شيئاً فشيئاً تحولت الهجمات الحوثية إلى تهديد مباشر للملاحة الدولية ولحركة السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب..هنا دخلت مصالح العالم على الخط.
بعض الناس يتصرف وكأن السفن الأمريكية والبريطانية جاءت إلى المنطقة تلبية لنداء سعودي..هذا تبسيط مخل هذه الدول لم تخفي أسباب وجودها أصلاً سياسيون وقادة عسكريون غربيون تحدثوا مراراً عن حماية سلاسل الإمداد العالمية وضمان تدفق التجارة الدولية ومنع تعطيل حركة الطاقة كانوا يتحدثون عن مصالح بلدانهم أمام شعوبهم وبرلماناتهم بشكل مباشر وصريح.
فالبحر الأحمر ليس ملكاً للسعودية..ومضيق باب المندب ليس ممراً سعودياً خالصاً..وقناة السويس ليست منشأة سعودية هذه شرايين اقتصادية يستخدمها العالم كله عندما تتأثر تلك الممرات ترتفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار السلع من آسيا حتى أوروبا.
واللافت أن المنتقدين أنفسهم يتجاهلون أمثلة معاصرة أكثر وضوحاً..روسيا وهي قوة نووية عظمى لم تتردد في الاستعانة بدعم وشراكات خارجية خلال حربها مع أوكرانيا. وجود قوات أو خبرات أو مستشارين من دول أخرى لم يدفع أحداً للقول إن موسكو أصبحت دولة تبحث عن الحماية..الجميع فهم أن ما يجري جزء من شبكة تحالفات ومصالح متبادلة فرضتها الحرب.
السعودية تتصرف بالمنطق ذاته تقريباً..الفرق أنها لم تخض الحرب بكل ما تملك من أدوات القوة أصلاً طوال سنوات الصراع ظلت المملكة تدير المعركة وفق حسابات سياسية وعسكرية معقدة لأن أي دولة مسؤولة تدرك أن امتلاك القوة شيء واستخدامها بالكامل شيء آخر.
ومن زاوية أخرى ربما يكون من الإنصاف الاعتراف بأن المملكة لم تكن تدافع عن حدودها فقط..فالصراع مع الحوثيين لم يكن يوماً مجرد خلاف حدودي عابر كان مواجهة مع مشروع إقليمي أوسع يرتبط بإيران وأذرعها المسلحة في المنطقة ولهذا شعر كثير من العرب أن الرياض تتحمل عبئاً يتجاوز مصالحها المباشرة.
لهذا أستغرب أحياناً من تصوير أي تعاون عسكري دولي وكأنه شهادة ضعف..التاريخ لايقول ذلك والواقع لايقول ذلك وحتى الجيوش التي تدرَّس تجاربها في الأكاديميات العسكرية لم تنتصر منفردة في أغلب الحروب الكبرى..التحالفات ليست دليلاً على الحاجة إلى الحماية..بل دليلاً على القدرة على الحشد وعلى فهم أن المصالح المشتركة تستطيع جمع دول مختلفة تحت هدف واحد.
السياسة في النهاية ليست استعراض عضلات..الدولة الذكية ليست تلك التي تقنع العالم بأنها تقاتل وحدها بل تلك التي تجعل الآخرين يرون أن استقرارها وأمن المنطقة من حولها مصلحة لهم أيضاً وعندما يحدث ذلك لا يكون الحلفاء حراساً لأحد بل شركاء يدافع كل واحد منهم عن مصالحه بالطريقة التي تناسبه وهذا بالضبط ما يحدث اليوم أكثر مما يعتقد البعض.