حين كانت السياسة مفهومة ثم تعقدت

حين كانت السياسة مفهومة ثم تعقدت

هناك لحظة يصل فيها الإنسان إلى قناعة غريبة..أن العمر ليس مجرد سنوات تُعدّ.. بل طبقات من الذاكرة تتراكم فوق بعضها حتى يصبح الماضي جزءاً من طريقة فهمه للواقع وأنا وقد عبرت محطات كثيرة أجد نفسي اليوم أعود إلى تلك الطبقات القديمة لأفهم ما يحدث حولي ليس بدافع الحنين بل لأنني أشعر أن ما نعيشه الآن يحتاج إلى ذاكرة طويلة كي يُفهم..ذاكرة شهدت سقوط جدار..وانهيار إمبراطوريات..وولادة أزمات..وانطفاء أخرى.
كنت في نهاية الثمانينيات أتابع مع والدي -رحمه الله- سقوط جدار برلين عبر جريدة الشرق الأوسط لم أكن أفهم كل شيء لكنني كنت أرى في عينيه دهشة رجل يدرك أن العالم يتغير أمامه..كان الجدار بالنسبة لي مجرد صورة في صحيفة أما بالنسبة له فكان رمزاً لحقبة كاملة تُطوى..تلك اللحظة علمتني أن السياسة ليست أخباراً تُقرأ بل تحولات تمس حياة البشر حتى لو لم يشعروا بذلك فوراً..
بعدها بقليل كنت أتابع الحرب السوفيتية في أفغانستان وأراقب انسحاب السوفيت عام 1989 لم أكن أملك أدوات التحليل لكنني كنت أرى كيف يمكن لقوة عظمى أن تتراجع أمام شعب بسيط الإمكانات..وكيف يمكن لحرب بعيدة أن تغير شكل المنطقة كلها..كانت تلك أول مرة أفهم فيها أن السياسة ليست لعبة الكبار فقط بل لعبة الظروف أيضاً وأن القوة وحدها لا تكفي إذا لم تكن مدعومة بفهم الواقع.
ثم جاءت لحظة غزو العراق الغاشم للكويت الشقيقة عام 1990 كنت في المرحلة الثانوية أستمع بشغف لإذاعة لندن بصوت الراحل (ماجد سرحان) كانت تلك الفترة مختلفة لم تكن مجرد متابعة بل مشاركة وجدانية في حدث يمسنا مباشرة..أتذكر جيداً فرحتنا يوم تحرير الكويت وكيف شعرنا أن الحق يمكن أن ينتصر..وأن الظلم مهما بدا قوياً لايصمد أمام إرادة الشعوب وتحالفاتها..تلك التجربة صنعت بداخلي يقيناً بأن المنطقة رغم اضطراباتها قادرة على استعادة توازنها حين تتكاتف.
ومع مرور السنوات ظل اهتمامي بالسياسة جزءاً من يومي لكنني بكل صدق لم أشهد وضعاً سياسياً يشبه ما نراه اليوم ليس لأن الأحداث أكثر عدداً بل لأن الغموض أصبح هو القاعدة..في السابق كانت التحالفات واضحة والخصومات واضحة وحتى الأزمات كانت تسير في خطوط يمكن توقعها.
أما الآن فكل شيء يبدو متداخلاً حرب اليمن التي لا تنتهي..حرب السودان التي تتشعب..ليبيا التي تتغير فيها موازين القوى كل بضعة أشهر..وتحالفات تُبنى في الصباح وتتفكك في المساء.
الأغرب أن الجهود الدبلوماسية التي كانت في الماضي قادرة على تهدئة الأزمات أو على الأقل تجميدها أصبحت اليوم تصطدم بتعقيدات لا حصر لها..كأن العالم فقد القدرة على الاستماع.. أو كأن الأطراف المتصارعة لم تعد تبحث عن حلول بقدر ما تبحث عن مكاسب مؤقتة..وربما المشكلة ليست في الدبلوماسية نفسها بل في أن اللاعبين الجدد لا يؤمنون بالحلول التقليدية ولا يعترفون بقواعد اللعبة القديمة.
حين أحاول فهم هذا المشهد أجد نفسي أعود إلى تلك اللحظات التي عشتها في طفولتي وشبابي..أسترجع سقوط الجدار..وانسحاب السوفيت..وغزو الكويت وأقارنها بما يحدث اليوم في الماضي كانت الأحداث الكبيرة تُنتج نتائج كبيرة..أما الآن فالأحداث الضخمة تُنتج ضباباً أكبر..ربما لأن العالم أصبح أكثر تشابكاً..أو لأن القوى الإقليمية والدولية لم تعد تملك رفاهية اتخاذ قرارات واضحة..وربما لأن الشعوب نفسها أصبحت جزءاً من المعادلة بعد أن كانت مجرد متلق للقرارات.
ومع ذلك لا أستطيع أن أقول إن الصورة قاتمة بالكامل..هناك دول مثل بلادي الغالية المملكة العربية السعودية تحاول أن تصنع توازناً وسط هذا الضجيج وتعيد ترتيب المنطقة بطريقة أكثر عقلانية..لكن الطريق ليس سهلاً ولا يمكن أن يكون سهلاً في عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة الضوء ومع ذلك يبقى السعي نحو الاستقرار ضرورة لا خياراً.
في النهاية حين أضع كل هذه التجارب أمامي أدرك أن السياسة ليست علماً ثابتاً..ولا واقعاً يمكن فهمه من زاوية واحدة..هي أشبه بنهر يتغير مجراه كلما مر بين الصخور..وما نعيشه اليوم قد يكون مجرد مرحلة انتقالية نحو شكل جديد للعالم شكل لم تتضح ملامحه بعد وربما هذا الغموض بكل ما فيه من قلق هو الثمن الطبيعي لأي تحول كبير..المهم أن نبقى قادرين على قراءة المشهد لا أن نستسلم لفوضاه.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *