أبو حسام..كنت وطناً من الطيبة

أبو حسام..كنت وطناً من الطيبة

لم أكن أعلم أن تلك المكالمة القصيرة ستكون آخر مايصلني من صوته..آخر ما يربط بيني وبينه قبل أن ينقطع الخيط فجأة..كانت مكالمة لا تشبهه لا تشبه الرجل الذي عرفته منذ عشرين عاماً..الرجل الذي كان إذا تحدث انطلقت ضحكته قبل كلماته وإذا استرسل في الحديث شعرت أن الوقت يتوقف احتراماً لحضوره..يومها كان صوته متعباً كأنه يجاهد ليُنهي الحديث وكأن شيئاً في داخله كان يطفئ نور الكلام الذي اعتدته منه.
لم تمضي سوى ثواني وانتهت المكالمة وبعد يومين فقط جاءني خبر النعي من أخي وصديقي الحبيب (عوض السحيمي) عبر رسالة (واتساب) قرأت الرسالة مراراً كأنني أحاول أن أجد فيها خطاً لغوياً يعيد لي الأمل..أو كلمة زائدة تقول إن الأمر مجرد سوء فهم لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تُكذب.
اتصلت برقم (جواله) فجاءني صوت ابنه المبارك (حسام) مكسوراً..باكياً وقبل أن أنطق قال:
(عظم الله أجرك ياعم فهد)
عندها شعرت أن شيئاً في صدري ينفجر..وأن العالم كله ينكمش في لحظة واحدة.
كان العميد المتقاعد (سعود التركي) -رحمه الله- رجلاً لايشبه أحداً..صحة..حيوية.. نشاطٌ لا يهدأ..وابتسامة لاتُهزم..بعد تقاعده ظل يعمل مديراً في شركة كأنه يبدأ حياته من جديد..وظل رياضياً كما عهدته..يمشي..ويتدرب في النادي..ويحافظ على قوامه كأن العمر لا يجرؤ على الاقتراب منه..وكنت انا شخصياً إذا ضاقت بي الدنيا لجأت إليه فأخرج من عنده وأنا أخف وزناً..وأقل هماً..وأكثر قدرة على التنفس.
ورغم مرحه الدائم كان في داخله حزن لا يراه إلا من اقترب منه..كان يحدثني دائماً عن زوجته الغالية -رحمها الله- التي اختطفها الموت عام 2024 وكيف تحولت حياته بعدها إلى فراغ لا يُحتمل..وإلى وحدة تلسع القلب كل ليلة..ومع ذلك كان يمازحني وهو في قمة الألم قائلاً:
(وش رايك يا بومشعل نختار أختين ونتزوجهم في ليلة وحده ؟)
ثم يضحك ضحكته التي أعرفها جيداً.
كان متعلقاً بأبنائه الثلاثة ويعتبرهم ثروته الحقيقية..وكان سعيداً بالشاليه الذي اشتراه في القصيم ليجمعهم فيه كل صيف..وكان محبوباً من الجميع صغيرهم وكبيرهم لدماثة خلقه..ورقة طباعه..وصدق مواقفه..رجل حقيقي في زمن قل فيه الرجال..وصديق صدوق في زمن شح فيه الوفاء.
أبو (حسام) أنت أكبر من الكلمات..وأعمق من الحروف..وأصدق من كل ما يُقال. رحيلك موجع..وصوتك سيبقى في الذاكرة..وابتسامتك لن تغيب. نسأل الله أن يرحمك رحمة واسعة.. وأن يجمعك بمن تحب..وأن يلهمنا بعدك صبراً لاينكسر.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *