بين التشدد والرحمة تتشكل ملامح الإنسان
بين التشدد والرحمة تتشكل ملامح الإنسان
الاعتدال ليس فكرة تُعلق على جدار..ولا شعاراً يُرفع في المناسبات..بل هو طريقة حياة..الإنسان المعتدل لا يعيش في صراع دائم مع العالم ولا يضع نفسه في موقع القاضي الذي يوزع الأحكام على الناس..هو ببساطة شخص اختار أن يرى الآخرين كما هم..لا كما يريدهم أن يكونوا وربما لهذا السبب تبدو الوسطية أحياناً كأنها مساحة هادئة وسط ضجيج لا ينتهي.
أتذكر موقفاً قديماً عام 2009 حدث لي وما زال يمر في ذهني بين حين وآخر..كنت واقفاً أمام أحد المحلات في سوق العليا بالرياض يوم عادي لا يحمل أي حدث مهم وفجأة اقترب مني رجل لا أعرفه لم يسلم..لم يبتسم..لم يسأل حتى عن اسمي..بدأ مباشرة بإلقاء النصائح عليّ بطريقة أقرب إلى الهجوم منها إلى النصح..كان يتحدث عن حلق اللحية وكأنها جريمة..وعن طول الثوب وكأنه معيار نهائي للإيمان..حاولت وقتها أن أهدئ الموقف قلت له إن الإسلام أوسع من هذه التفاصيل..وإن الدين جاء ليهدي القلوب لا ليقيس (الثياب)..وإن التطور في فهم النصوص ليس خروجاً عن الدين بل محاولة لفهمه بعمق..لكن الرجل كان مُصراً كأن الحوار بالنسبة له ليس بحثاً عن الحقيقة بل محاولة لإثبات أنني مخطئ مهما قلت..كان يهز رأسه بطريقة توحي بأنه لا يسمع..أو ربما يسمع فقط ما يريد سماعه.
هذا النوع من المواقف يجعل الإنسان يفكر طويلاً:
لماذا يتحول بعض الناس إلى حراس على أبواب الجنة؟
المسلم الحق كما نعرفه في تجارب الحياة مشغول بإيمانه يحاول أن يصلح نفسه..أن يخفف من ثقل الأيام على قلبه..أن يقترب من الله دون أن يدفع الآخرين بعيداً عنه.
أما المتشدد فهو مشغول بإيمان غيره..يراقب الناس..يفتش في تفاصيل حياتهم..يبحث عن خطأ صغير ليحوله إلى قضية كبرى كأن الدين بالنسبة له ساحة معركة..لا طريقاً للسكينة.
الوسطية ليست تنازلاً عن المبادئ بل هي إدراك أن الإنسان لا يُختزل في مظهره..وأن الإيمان لا يُقاس بطول الثوب ولا بعدد الشعيرات في الوجه..المسلم الحق يسعى لإدخال نفسه وغيره الجنة يفتح باباً..يبتسم..يلين..يبحث للناس عن الأعذار..يعرف أن البشر يخطئون وأن الزلات جزء من تكوين الإنسان.
بينما المتشدد يسعى لإثبات أن غيره سيدخل النار وكأنه ينتظر اللحظة التي يلتقط فيها خطأً ليعلقه على جدار الاتهام.
أحياناً أشعر أن التشدد ليس قوة..بل خوف متخفي..خوف من الاختلاف..من السؤال..من أن يرى الإنسان نفسه بلا قناع..المتشدد يفتش عن أخطاء الآخرين وهفواتهم لمعاقبتهم والتكلم عنهم كأنه يريد أن يثبت لنفسه أنه على الطريق الصحيح بمجرد أن يرى الآخرين على الطريق الخطأ.
أما المعتدل فهو يعرف أن الطريق طويل وأن كل واحد يحمل همه الخاص..وأن الرحمة ليست ضعفاً بل وعي بأن الإنسان لا يُقاس بلحظة واحدة.
الاعتدال يمنح الإنسان قدرة على أن يعيش بسلام..لا يرهقه كل اختلاف..ولا يستفزه كل رأي..ولا يشعر أن العالم يتآمرعلى قناعاته.. يترك مساحة للآخرين كي يكونوا كما هم دون أن يطالبهم بأن يكونوا نسخة منه..وهذا لا يعني أن المعتدل بلا موقف..بل يعني أنه يختار معاركه بعقل لا بعاطفة منفلتة ويعرف أن بعض الأمور تُحل بالكلمة..وبعضها بالصمت..وبعضها بترك الزمن يقوم بما لا يستطيع البشر القيام به.
في مجتمعاتنا نحتاج إلى هذا النوع من الوعي..نحتاج إلى من يقول للناس إن الدين ليس ساحة صراع..وإن الإيمان لا يُقاس بالصوت العالي..وإن الرحمة ليست خياراً ثانوياً بل أصل من أصول الحياة..نحتاج إلى من يذكرنا بأن الله سبحانه وتعالى لم يطلب منا أن نكون قضاة على الناس بل أن نكون رحماء..وأن نُصلح أنفسنا قبل أن نمد أصابعنا نحو الآخرين.
الاعتدال ليس ضعفاً بل شجاعة..شجاعة أن ترى الإنسان قبل الفكرة..وأن تفهم أن الطريق إلى الله واسع..وأن القلوب لا تُفتح بالقوة بل باللطف وربما هذا هو الفرق الحقيقي بين المسلم الحق والمتشدد:
الأول يبني..والثاني يهدم.
الأول يضيء والثاني يطفئ.
الأول يفتح باباً للجنة..والثاني يغلقه على الناس.
ويبقى السؤال الذي يواجه كل واحد منا:
أي طريق نريد أن نسلك؟
طريق الرحمة أم طريق الغضب؟
طريق الاعتدال أم طريق التشدد؟
والإجابة مهما اختلفت ستنعكس على شكل الحياة التي نعيشها..وعلى أثرنا في قلوب من حولنا.