لماذا نعيش ونحن لا نفهم كل شيء؟

لماذا نعيش ونحن لا نفهم كل شيء؟

لم أكن أتوقع أن يتحول ذلك الباركود الصغير الذي وضعته في موقعي (مدونة فهد الحربي) إلى نافذة واسعة تطل على حياة الناس. كنت أظنه مجرد وسيلة بسيطة للتواصل فإذا به يصبح باباً يدخل منه الغرباء حاملين أسئلتهم الثقيلة..مخاوفهم..حكاياتهم التي لم يجدوا لها صدراً يحتملها..بعض الرسائل تمرّ مروراً عابراً..وبعضها يبقى في الذاكرة كأنها حجر صغير في الجيب لا تراه لكنه يذكرك بوجوده كلما تحركت..ومن بين تلك الرسائل جاءت رسالة قارئة كريمة اسمها (أحلام) رسالة قصيرة لكنها لم تكن سهلة ولم تكن من النوع الذي يُجاب عليه فوراً..تركتها يومين كاملين على شاشة هاتفي، أفتحها وأغلقها، وأعيد قراءتها كأنني أبحث بين كلماتها عن شيء لم يُكتب.
كانت تقول:
(الأستاذ فهد..تحية طيبة..كنت أود أن أكون مجرد قارئة لك لكن يبدو أن هذا السؤال أجبرني على مراسلتك..قد يكون سؤالي غريباً لكنه يتردد كثيراً في عقلي!!
ما الهدف من هذه الحياة؟
نحن نولد ونكبر ثم نموت؟)
سؤال يبدو بسيطاً حين يُقال..لكنه حين يصل إليك من شخص لا تعرفه يصبح أثقل..لأنك تدرك أن السائل لا يريد إجابة فلسفية جاهزة ولا يريد جملة منمّقة تُعلّق على الحائط..هو يريد شيئاً يشبه اليد التي تُمد إليه في لحظة ارتباك..يريد معنى أو على الأقل يريد أن يشعر أن هذا السؤال لا يخصه وحده.
حين فكرت في سؤال (أحلام) لم أجد نفسي أبحث عن إجابة نهائية..الحياة لا تُعطي إجابات نهائية أصلاً..كل ما تفعله أنها تترك لنا مساحات واسعة للتأويل وتترك لكل واحد منا فرصة أن يصنع هدفه بنفسه..لكنني أدركت شيئاً آخر:
أن السؤال نفسه علامة حياة..الإنسان الذي يسأل عن الهدف ليس ضائعاً كما يظن..بل هو في منتصف الطريق..يحاول أن يفهم.. يحاول أن يلتقط خيطاً يقوده إلى مكان يشعر فيه بالطمأنينة.
ربما يكون الهدف من الحياة أبسط مما نتصور..ليس مشروعًا ضخماً..ولا إنجازاً يصفق له الناس..ولا فكرة عظيمة تُكتب في كتاب.. أحياناً يكون الهدف هو أن نعيش بطريقة تجعل وجودنا أقل قسوة على أنفسنا وعلى الآخرين..أن نترك أثراً صغيراً لا يراه الجميع لكنه يغيّر حياة شخص واحد على الأقل..وربما يكون الهدف هو أن نحب..أو نتعلم..أو نُصلح شيئاً انكسر فينا أو في غيرنا..الحياة ليست خطاً مستقيماً بل سلسلة محاولات..بعضها ينجح وبعضها يفشل لكن مجرد المحاولة هو شكل من أشكال المعنى.
(أحلام) سألت:
لماذا نولد ونكبر ثم نموت؟
ولم أستطع أن أجيبها بجملة واحدة..لأن الموت ليس نهاية المعنى بل جزء منه..لو كانت الحياة بلا نهاية لفقدت الكثير من قيمتها..نحن نتمسك بالأشياء لأننا نعرف أنها زائلة..ونحب الناس لأننا ندرك أننا لن نراهم إلى الأبد..ونسعى ونحلم ونخاف لأن الزمن يمضي..النهاية ليست عيباً في الحياة..بل هي ما يجعل بدايتها تستحق أن تُعاش.
هناك من يرى أن الهدف هو السعادة، لكن السعادة ليست حالة ثابتة، بل لحظات قصيرة تأتي وتمضي..وهناك من يرى أن الهدف هو النجاح، لكن النجاح نفسه يتغير مع العمر..وهناك من يرى أن الهدف هو العبادة، أو المعرفة، أو خدمة الآخرين. وكل هذه الأهداف صحيحة، لكنها ليست قواعد عامة..الحياة لا تُعطي الجميع نفس الخريطة..كل واحد يصنع خريطته الخاصة، ويكتشف الطريق أثناء السير لا قبله.
وأنا شخصياً حين أفكر في الهدف، لا أراه شيئاً واحداً..أراه مجموعة أهداف صغيرة تتغير مع الوقت..في مرحلة ما يكون الهدف أن تنجو..وفي مرحلة أخرى أن تفهم..وفي مرحلة ثالثة أن تمنح الآخرين شيئاً مما تعلمته..وربما يكون الهدف في بعض الأيام مجرد أن تستيقظ دون أن تشعر بثقل العالم على صدرك..وهذا أيضاً هدف مشروع.
أردت أن أقول ل (أحلام):
إن السؤال الذي تخشاه هو دليل على أنها ما زالت تبحث، وما زالت تقاوم، وما زالت تريد أن تعيش حياة لها معنى..الإنسان الذي يتوقف عن السؤال هو الذي استسلم، أما هي فلم تستسلم بعد..أردت أن أقول لها إن الحياة ليست لغزاً يجب أن نحلّه، بل تجربة يجب أن نعيشها..وأن المعنى لا يأتي دفعة واحدة، بل يتشكل ببطء من خلال الأيام، والخيبات، والفرح، والناس الذين نلتقي بهم، والطرق التي نسلكها دون أن نعرف إلى أين تقود.
ولعل أجمل ما في الحياة أنها لا تُعطي جواباً واحداً..كل واحد منا يكتب جوابه بنفسه، ويعدّله، ويغيّره، ويعيد كتابته من جديد..وربما يكون هذا هو الهدف الحقيقي..أن نصنع معنى يناسبنا..لا معنى يُفرض علينا.
هذا ما أردت أن أقوله لها..وهذا ما أقوله لك الآن.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *