حكاية عرض جميل..وقرار لا يتغيّر

حكاية عرض جميل..وقرار لا يتغيّر

في صباح هادئ لا يشبه غيره..وصلني عبر تطبيق التليجرام اتصال من أخت فاضلة تعمل أخصائية اجتماعية في المدينة المنورة، وقد بدأت حديثها معي بنبرة احترام لافتة..ثم راحت تشرح لي طبيعة عمل إحدى الجمعيات الاجتماعية الخيرية التي تُعنى بحل المشكلات الأسرية وتحدّثت عن المهام، وعن طريقة التعامل مع الحالات، وعن المميزات التي يوفرها هذا العمل التطوعي..وكأنها كانت تحاول أن تضع أمامي صورة كاملة لا ينقصها شيء..قالت إنها لا تعرفني معرفة شخصية، لكنها كانت تقرأ لي منذ سنوات طويلة..منذ تلك الأيام التي كنت أكتب فيها في جريدة (المدينة) قبل أكثر من عشرة أعوام..وإنها ما زالت تتابع مقالاتي الاجتماعية والأدبية في موقعي (مدونة فهد الحربي) وقد أعجبت بأسلوبي وطريقتي في تناول القضايا الإنسانية وهذا وحده كان كافياً ليجعلني أشعر بامتنان صادق.
استمعت إليها بكل اهتمام، ثم اعتذرت لها بلطف شديد، ليس رفضاً لفكرتها..ولا تقليلاً من شأن دعوتها بل لأنني منذ زمن بعيد اتخذت عهداً على نفسي أن يكون تطوعي خالصاً لوجه الله الكريم..بلا ظهور إعلامي..وبلا حضور رسمي..وبلا أن أكون في الواجهة..أنا من أولئك الذين يؤمنون بأن العمل الصامت أبلغ أثراً.. وأن الكلمة حين تُكتب بصدق قد تصل إلى قلب محتاج أكثر مما يصل إليه حضور جسدي في مكتب أو جلسة..ولست أنكر أنني في سنوات مضت كنت أكتب عن المشكلات الاجتماعية والأسرية في المجلات التي كنت أحد كتّابها مثل مجلة (ألوان) ومجلة (المجالس) وكنت أكتب بدافع داخلي لا أعرف له اسماً محدداً ربما كان إحساساً بالمسؤولية..أو رغبة في أن أضع بصمة صغيرة في حياة أحدهم..أو ربما كان مجرد شغف بالإنسان وهمومه وأسئلته.
وللأمانة حتى وإن ألهمني الله الحكمة في بعض ما أكتب فأنا لا أمتلك شهادة علمية متخصصة في علم الاجتماع أو علم النفس..لكنني كنت وما زلت قارئاً نهماً في هذه المجالات..بل كنت أحضر الكثير من الندوات الاجتماعية والنفسية في أعوام مختلفة منها 2000 و2005 و2010 لعدد من كبار الأطباء والمتخصصين مثل الدكتور (سمير طنب) في لبنان والدكتور الراحل (عادل صادق) في مصر والدكتور (خليل الرفاعي) في الكويت وغيرهم ممن تركوا أثراً عميقاً في فهمي للإنسان وتعقيداته..تلك الندوات كانت بالنسبة لي مدارس مفتوحة تعلّمت منها ما لا يُكتب في الكتب.. وما لا يُدرّس في الجامعات..تعلّمت منها أن الإنسان ليس معادلة..وأن الألم لا يُقاس..وأن الكلمة قد تكون دواء حين تُقال في وقتها.
حقيقةً مساعدة الناس والوقوف بجانبهم شيء يبهج النفس ويمنح الروح معنى لا يُشبه أي معنى آخر..كثير من الناس يحتاجون إلى من يستمع إليهم أكثر من حاجتهم إلى دواء نفسي وهذا رأيي الذي لم يتغير إن الكثير من الكلمات الطيبة، والتحفيز، والتشجيع، وممارسة التأمل، وجلسات الاسترخاء، والتنفس العميق، واليوغا، تعادل في رأيي حبة واحدة من (الفاليوم) وربما تتفوّق عليها لأنها تمنح الإنسان راحة بلا آثار جانبية، وتعيد إليه شيئاً من توازنه الذي فقده وسط ضجيج الحياة.
ولذلك حين عرضت عليّ تلك الأخت الفاضلة فكرة العمل معهم، شعرت بشرف كبير، وشعرت أن دعوتها تحمل تقديراً لا يمكن تجاهله، وأخبرتها أنني على استعداد لتقديم كل دعم يحتاجونه، لكنني أرى أن مكاني الحقيقي هو الكتابة..وأن رسالتي التي أعرفها جيداً هي الكلمة، لا المكتب، ولا الزيارات الخاصة، ولا الجلسات التي تتطلب حضوراً عملياً وضغطاً يومياً ومسؤوليات لا تنتهي..لديّ التزامات أسرية كثيرة..ولديّ وقت موزّع بدقة..ولديّ قناعة راسخة بأن الإنسان حين يعرف مكانه الحقيقي لا يضيّع نفسه في أماكن لا تشبهه.
ربما لا أكون في الجمعية الاجتماعية لكنني حاضر بالكلمة..حاضر بالرأي..حاضر بما أستطيع..وحاضر بما وهبني الله من قدرة على أن أكتب شيئاً يخفّف عن قلب ما أو يفتح نافذة في روح أرهقها التعب..وهذا وحده يكفيني.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *