حين يصبح المرض حاجزاً أمام الحب

حين يصبح المرض حاجزاً أمام الحب

منذ فترة طويلة وأنا أتعامل مع الناس من خلال العمل التطوعي ولم أكن أعرف أن أغلب ما يحتاجه الناس ليس الحل..بل شخص يسمعهم..هذا الشيء لم أفهمه في البداية كنت أظن أن كل من يرسل رسالة يريد خطوة واضحة أو رأياً محدداً..لكن مع الوقت لاحظت أن كثيرين يكتبون فقط لأنهم لا يجدون أحداً يسمعهم دون أن يعلّق أو يلوم أو يعطيهم نصائح جاهزة..بعض الرسائل كانت طويلة جداً وبعضها قصيرة لدرجة أن صاحبها يكتب جملة واحدة ثم يختفي.
وضعت حسابي في التليجرام في موقعي (مدونة فهد الحربي) ولم أفكر كثيراً قلت لنفسي:
(إن احتاج أحدهم شيئاً فليكتب)
لم أتوقع أن تأتي رسائل بهذا الشكل..أغلبهم لا يضع اسماً ولا رقماً ولا أي شيء يدل عليه..مجرد كلام يصل في ساعات مختلفة من اليوم وكأنهم يكتبون في لحظة لا يريدون أن يراهم فيها أحد..بعض الرسائل كانت تبدأ بجملة غريبة كأن صاحبها لم يعرف كيف يبدأ ثم فجأة يدخل في موضوع حساس جداً..وبعضهم يكتب وكأنه يتحدث مع نفسه لا معي.
أتذكر يوماً كنت أمرّ فيه بأحد أحياء جدة..لم يكن هناك سبب واضح للتوقف لكنني أوقفت السيارة..ربما لأنني كنت أفكر في رسالة وصلتني قبلها بساعات..نظرت إلى البيوت حولي بيوت عادية جداً بعضها قديم..وبعضها جديد..بعضها يبدو مهملاً قليلاً.. لكني شعرت أن وراء كل باب حياة كاملة لا أعرف عنها شيئاً..ليس بالضرورة حياة مأساوية..ربما مجرد تفاصيل صغيرة لا يراها أحد..لكن هذا الشعور جعلني أتعامل مع رسائل الناس بطريقة مختلفة لم أعد أراها (مشاكل) بل أجزاء من حياة لا نراها عادة.
قبل أيام وصلتني رسالة جعلتني أتوقف أكثر من المعتاد..كتب لي شاب أحب فتاة خمس سنوات..خمس سنوات ليست مجرد علاقة بل وقت طويل يبني فيه الإنسان صورة معينة للمستقبل..قال إنه عمل ليلاً ونهاراً..وجمع المال ريالاً فوق ريال..وحرم نفسه من أشياء كثيرة كي يستطيع أن يتقدم لها بشكل يليق بها..كان يتحدث عنها بطريقة تشعر معها أنه لم يكن يرى الدنيا إلا من خلالها.
تقدم لها مع والده وكان صريحاً في كل شيء..حتى في مرضه..لم يخفِ أنه مصاب بالسكر..وبعد فترة جاءته رسالة من والدها تقول: (الله يسعدك ويعوضك خير..مالك نصيب معها)
بهذه البساطة انتهت خمس سنوات..لا مقدمات..لا شرح..لا محاولة لتخفيف وقع القرار..مجرد جملة واحدة!!!
اتصل بوالدها محاولاً أن يفهم فوجد أن السبب الوحيد هو مرضه..كتب لي وهو يتألم:
(أيعقل أن تُقاس الرجولة بنسبة السكر يا استاذ فهد؟؟؟؟ )
حين قرأت رسالته لم أعرف ماذا أقول فوراً.. توقفت قليلاً ليس لأنني لا أعرف الإجابة بل لأنني شعرت أن المشكلة ليست في المرض نفسه بل في الطريقة التي يفكر بها بعض الناس..هناك آباء واولياء امور يريدون ضمانات لا وجود لها في الحياة..يريدون رجلا بلا مرض..بلا تعب.. بلا ديون..بلا شيء يمكن أن يسبب لهم قلقاً..وكأن الزواج صفقة يجب أن تكون بلا مخاطرة.
قلت له ما فكرت فيه دون ترتيب..قلت له:
إن بعض الناس ما زالوا يرون المرض كعلامة نقص وهذا مؤلم لكنه موجود..قلت له إن مريض السكر يعيش حياته بشكل طبيعي وإن كثيرين يتزوجون ويعيشون حياة مستقرة..لكنني لم أقدّم له كلاماً مثالياً..قلت له أيضاً أن يحاول مرة أخرى لكن ليس لأنني أؤمن أن كل شيء يمكن إصلاحه..بل لأن بعض القرارات تُتخذ تحت ضغط أو خوف..ويمكن أن تتغير حين يتدخل شخص حكيم في العائلة. خاصة وأن الفتاة تعرف بمرضه وقبلت به.
لكنني قلت له شيئاً آخر ربما لم يكن يتوقعه:
(قد لا تنجح..وقد تنجح..وقد تكتشف أن الحياة رغم قسوتها تفتح أبواباً لم تكن تراها..لكن لا تجعل قرار رجل واحد يختصر قيمتك)
بعد أن أنهيت رسالتي له بقيت أفكر قليلاً ليس في قصته وحدها..بل في كل الرسائل التي تصلني..بعض الناس لا يريدون حلولاً أصلاً. يريدون فقط أن يشعروا أن هناك شخصاً يسمعهم دون أن يحكم عليهم..وهذا بصراحة أهم من أي نصيحة.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *