الطفلة التعيسة

الطفلة التعيسة

لم يكن في ملامحها ما يشي بأنها تحمل كل هذا الثقل في صدرها..كانت طفلة عادية في ظاهرها، شعرها مربوط على عجل، حقيبتها المدرسية قديمة لكنها نظيفة، ووجهها لايعرف الزينة
ولايعرف الفرح أيضاً..كانت تمشي إلى المدرسة كل صباح بخطوات مترددة، كأن الطريق أطول مما ينبغي، وكأنها تخشى أن تصل، أو تخشى ألا تصل..لم يكن أحد يلتفت إليها، لا لأنها غير مرئية، بل لأنها اعتادت أن تخفي نفسها خلف صمت طويل..صمت يشبه الجدار الذي تبنيه الأرواح حين تتعب من الخيبات.
كانت تعيش مع أم أنهكها الزمن، امرأة تعمل أكثر مما تنام، وتعتذر أكثر مما تتكلم..كانت الأم تعود كل مساء محمّلة بروائح المواصلات والعرق والانتظار الطويل، وتجلس على طرف السرير كأنها تخشى أن ينهار جسدها لو استسلمت للراحة.
أما الأب، فقد كان موجوداً بالاسم فقط، يعيش في مدينة أخرى، أو ربما في حياة أخرى، لا أحد يعرف..لم يكن غائباً تماماً لكنه لم يكن حاضراً بما يكفي ليُسمّى أباً..كان يرسل رسائل مقتضبة، باردة، تشبه الإيصالات أكثر مما تشبه الكلمات.
كبرت الطفلة وهي تتعلم أن تراقب العالم من بعيد.. كانت ترى زميلاتها يركضن في الفناء، يضحكن بلا سبب، يتشاجرن ثم يتصالحن في دقائق..كانت تنظر إليهن بدهشة، كأنهن ينتمين إلى كوكب آخر، كوكب لا يعرف الخوف من الفقد، ولا يعرف معنى أن تخشى السعادة لأنها قد تُسلب منك في أي لحظة..كانت تتمنى أن تضحك مثلهم، لكنها كانت تخشى أن تنكسر ضحكتها قبل أن تكتمل.
وفي الصف، كانت تجلس دائماً في المقعد الأخير، ليس لأنها خجولة فقط، بل لأنها اعتادت أن تكون في الخلف، في الهامش، في المكان الذي لا يراه أحد..كانت المعلمة تحاول أحياناً أن تقترب منها، تسألها عن واجباتها، عن يومها، عن أحلامها، لكنها كانت تجيب بكلمات قصيرة، كلمات تشبه الأبواب المغلقة.
لم تكن الطفلة تكره أحداً لكنها كانت تخشى الجميع، تخشى أن يقترب أحد من جرحها فينزف من جديد.
وفي أحد الأيام بينما كانت تنتظر أمها أمام المدرسة، رأت طفلاً صغيراً يركض نحو أمه ويقفز في حضنها كأنه وجد كنزاً..كانت الأم تضحك وتقبّله وتغمره بذراعيها، والطفل يثرثر بلا توقف..شعرت الطفلة بشيء يضيق في صدرها، شيء يشبه الغيرة، أو الحنين، أو ربما الألم القديم الذي لا اسم له..كانت تتمنى لو أن أمها تستطيع أن تحتضنها بهذه الطريقة، لكن الأم كانت تعود كل يوم منهكة لدرجة تجعل الحضن رفاهية مؤجلة.
ومع مرور الوقت، بدأت الطفلة تفهم أن التعاسة ليست دائماً صراخاً أو دموعاً أحياناً تكون صمتاً طويلاً أو سؤالاً بلا جواب، أو شعوراً بأنك تقف خارج الحياة تنظر إليها من نافذة مغلقة.
كانت تشعر أنها تكبر أسرع مما ينبغي، وأن طفولتها تتسرب من بين أصابعها مثل الماء. كانت تتعلم أن تخفي ألمها بابتسامة صغيرة، وأن تخفي خوفها بكلمة (عادي) تلك الكلمة التي تقولها حين يكون كل شيء غير عادي.
لكن شيئاً ما تغيّر حين انتقلت إلى صف جديد، وجاءت معلمة شابة، مختلفة عن كل من عرفتهن..كانت المعلمة تنظر إليها بطريقة لم يعتدها قلبها نظرة لا تشفق ولا تراقب بل تفهم.. كانت تسألها عن الكتب التي تحبها، عن الأغاني التي تسمعها، عن الأشياء الصغيرة التي لا يسأل عنها أحد..شيئاً فشيئاً بدأت الطفلة تتكلم.. لاكثيراً لكن بما يكفي لتشعر أن صوتها ليس عبئاً.
وفي يوم ما، بينما كانت الطفلة تكتب موضوعاً مدرسياً كتبت جملة لم تكن تعرف أنها قادرة على كتابتها:
(أريد أن أكون بخير حتى لو لم يكن العالم بخير)
توقفت عند الجملة طويلاً كأنها اكتشفت جزءاً جديداً من نفسها، جزءاً لم يلمسه أحد من قبل.. شعرت للمرة الأولى أن التعاسة ليست قدراً نهائياً وأن القلب، مهما كان هشاً يمكنه أن يتعلم كيف ينهض.
لم تصبح الطفلة سعيدة، ولم تتغير حياتها فجأة، لكن شيئاً صغيراً بدأ ينمو داخلها شيء يشبه الضوء الخافت الذي يظهر في آخر النفق..كانت لاتزال الطفلة نفسها لكنها لم تعد الطفلة التعيسة كما كانت.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *