هل حقاً الاختلاط هو المشكلة؟ أم أننا نبحث عن مشكلة؟

هل حقاً الاختلاط هو المشكلة؟ أم أننا نبحث عن مشكلة؟

قبل يومين تقريباً كنت أتصفح تويتر أو منصة x بلا هدف واضح ووقعت على نقاش طويل حول عمل المرأة في الوظائف المختلطة.. لم يكن نقاشاً جديداً لكن الطريقة التي كان الطرفان يتجادلان بها جعلتني أتوقف..أحدهم كان يرفض الفكرة وكأنه يدفع عن نفسه خطراً..والآخر كان يدافع عنها كأنها مسألة شخصية تمس حياته مباشرة..لا أعرف لماذا شدني الموضوع هذه المرة ربما لأنني كنت في مزاج يسمح لي بالاستماع بدل الحكم.
وأنا أقرأ لاحظت شيئاً بسيطاً لكنه مهم وهو أن أغلب الكلام لم يكن عن العمل نفسه بل عن الخوف منه..الخوف من الاختلاط..من نظرة المجتمع..من كلام الناس..من أن تتغير المرأة أو يتغير الرجل..وكل هذا جعلني أفكر أن المشكلة ليست في الوظيفة بل في الوعي الذي يرافقها..الوعي هو الشيء الذي يجعل الإنسان يعرف حدوده..يعرف ما يقبله وما يرفضه..يعرف لماذا يخاف ولماذا يطمئن.. بدون وعي أي خطوة تبدو تهديداً ومع الوعي حتى الأمور الحساسة تصبح قابلة للنقاش.
في النقاش..كان هناك رجال يقولون إنهم لا يقبلون أن تعمل زوجاتهم أو بناتهم في وظائف مختلطة..بعضهم يتحدث من باب الغيرة.. وبعضهم من باب الدين.. وبعضهم ببساطة لا يرتاح للفكرة..وهذا حقهم إذا كان الأمر جزءاً من اتفاق واضح قبل الزواج..الاتفاقات ليست قيداً.. بل طريقة لتجنب المشاكل لاحقاً..وفي المقابل كانت هناك نساء يقلن إن من حقهن أن يشترطن عدم الاعتراض على عملهن سواء جاء الاعتراض من الأب أو الأم أو الزوج وهذا أيضاً حق مشروع ما دام معلناً منذ البداية.
لكن الشرط وحده لا يكفي إذا كانت المرأة ستتخلى عن وظيفة مختلطة بسبب رغبة الزوج أو الأهل فمن الطبيعي أن تُوفَّر لها حياة كريمة تعوّضها عن مصدر الدخل الذي فقدته..ليس منطقياً أن تُمنع من العمل ثم تُترك تواجه التزاماتها المالية وحدها..كثير من النساء اليوم لديهن التزامات مادية ثقيلة.. وبعضهن يعيل أسراً كاملة..العمل بالنسبة لهن ليس رفاهية، بل ضرورة. وأحياناً يكون العمل هو الشيء الوحيد الذي يمنحهن شعوراً بالاستقرار.
الدولة (وانا هنا اتحدث عن بلدي الغالي المملكة العربية السعودية) من جهتها لم تترك الأمر بلا تنظيم..هناك قوانين واضحة تمنع التحرش وتجرّم الإساءة، وتضع حدوداً تحمي الجميع..وجود هذه القوانين ليس مجرد ورق، بل رسالة بأن المرأة ليست وحدها في مكان العمل ومع ذلك ما زال البعض يتعامل مع العمل المختلط وكأنه باب مفتوح على الفوضى، وكأن المرأة ستفقد قيمتها بمجرد دخولها مكتباً فيه رجال وهذا شيء غريب خصوصاً حين نرى أن أغنى الرجال وأكثرهم نفوذاً تعمل نساؤهم في وظائف مختلطة، ولا أحد يجرؤ على التشكيك في أخلاقهن..فهل الغيرة حكر على طبقة معينة؟ لا أعرف لكن الأمر يثير سؤالاً صغيراً في الرأس.
لو سألني أحد عن رأيي الشخصي سأقول إن عمل المرأة في الوظائف المختلطة يشبه قيادة المرأة للسيارة..كان الأمر يوماً ما محل اعتراض شديد ثم أصبح اليوم شيئاً عادياً..كثير من الأمور التي تُطرح ك (محرمات) ليست محرمات قطعية، بل اجتهادات بشرية تُبنى على سد الذرائع..مثلما حُرّمت قيادة المرأة سابقاً ثم أُبيحت لاحقاً..المحرمات الحقيقية هي تلك التي حرّمها الله ورسوله أما ما عدا ذلك فهو مساحة للاجتهاد يتغير بتغير الزمن والظروف.
الاختلاط نفسه موجود منذ العهد النبوي..في الأسواق، في الحج، في الحياة اليومية..لم يكن أمراً غريباً ولا مستنكراً..الناس كانوا يعيشون ويتعاملون ويتحركون في مساحة واحدة..فلماذا أصبح اليوم مشكلة ضخمة؟ ربما لأننا نحمّل الأمور أكثر مما تحتمل.
في النهاية وأقولها بلا محاولة لتجميل الكلام الموضوع ليس صراعاً بين رجل وامرأة..هو صراع بين خوف ووعي..بين من يرى العمل باباً للرزق ومن يراه باباً للتهديد..بين من يثق..ومن لا يعرف كيف يثق..وما أتمناه ببساطة هو أن نتعامل مع الموضوع بهدوء.. بلا صراخ..بلا أحكام مسبقة..أن نفهم أن المرأة ليست كائناً هشاً..وليست كائناً متمرداً..هي إنسان لها التزامات وطموحات ومسؤوليات..وإذا كان العمل المختلط يساعدها على أن تعيش حياة مستقرة أو يخفف عنها عبئاً مالياً فرفقاً بها لأن كثيراً من النساء يعملن لأن الحياة لم تمنحهن رفاهية الجلوس وانتظار الحلول.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *