هذا آخر ما أقوله قبل الصمت
هذا آخر ما أقوله قبل الصمت
لم أكن أتوقع أن يأتي يوم أضع فيه نقطة أخيرة في سطر طويل من الكتابة السياسية..ليس لأن الشغف انتهى ولا لأن القضايا هدأت بل لأنني شعرت فجأة أن الطريق الذي أمشي فيه لم يعد يشبه خطواتي كما كان..هناك لحظة يصل فيها الإنسان إلى قناعة غريبة:
أن الدفاع عن الوطن لا يكون دائماً عبر المقالات والتغريدات والفيديوهات..وأن العمر لا ينتظر أحداً كي يفرغ من معاركه الصغيرة. ربما لهذا السبب بدأت أراجع نفسي وأعيد ترتيب ما تبقى من وقتي وألتفت لعائلتي وأعمالي الاجتماعية والتطوعية التي أهملتها كثيراً.
منذ عام 2000 وأنا أكتب..أحياناً بحماس يشبه اندفاع الشباب..وأحياناً بقلق يشبه خوف الأب على بيته..لم أكتب يوماً بحثاً عن شهرة أو مال..لم أكن أبحث عن منصة أو لقب..كنت أكتب لأن الوطن كان بالنسبة لي شيئاً لا يمكن تركه وحيداً أمام موجات التشويه التي كانت تتكرر كلما نهضت المملكة العربية السعودية خطوة جديدة..كنت أتعمد إرسال مقالاتي لصحف غير سعودية رغبة في أن يسمع القارئ العربي خارج حدود بلادي صوتاً مختلفاً عن الأصوات التي كانت تتغذى على الأكاذيب..كنت أريد أن يعرفوا أن ما يُقال ليس إلا جزءاً من سلسلة طويلة من الادعاءات التي تتبدل وجوهها ولا يتبدل مضمونها.
ومع ذلك نشرت مقالات كثيرة في صحف سعودية وكنت عضواً في أحد أهم المنتديات العربية (منتدى الساحة العربية) يوم كانت المنتديات هي ساحات النقاش الحقيقية قبل أن تبتلعها وسائل التواصل الحديثة..في تلك الفترة ألّفت كتاب (موطن الفوارس) الذي جمع تاريخ المملكة مع مقالات وطنية وقصائد كتبتها في لحظات مختلفة..وبعده بعام 2003 ألفت (حماك الله يا وطني) كتاباً حاولت فيه معالجة الأفكار الإرهابية بطريقة لا تعتمد على الصراخ..بل على الفهم ومحاولة تفكيك الفكرة من جذورها.
ولله الحمد نلت شهادات شكر وتقدير من الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- ومن الأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- ومن عدد من الأمراء والمسؤولين..كانت تلك الشهادات بالنسبة لي شيئاً يشبه الاعتراف بأن الطريق الذي اخترته لم يكن عبثياً.
بعدها تلقيت دعوات للمشاركة كضيف شرف في مهرجانات وطنية مثل الجنادرية وغيرها وعروضاً للكتابة في صحف خليجية بمقابل مادي ما زلت أحتفظ بصورتلك الطلبات حتى اليوم..بل إن بعض القنوات مثل ال BBC وقناة الحرة طلبت مني الظهور للحديث عن السياسة السعودية أو القضايا الاجتماعية لكنني كنت ثابتاً على مبدأ واحد:
(لا أريد أن أكون جزءاً من الشو الإعلامي..يكفيني أن تصل رسالتي عبر الكتابة بلا أضواء ولا مكياج ولا استعدادات مسبقة)
ومع هذا الطريق جاءت الشائعات..قيل إنني رجل أمن..وإنني أكتب لأنني أتبع جهة ما..وإنني أعمل تحت مظلة معينة..وصلت الشائعات إلى التشكيك بسمعتي..رغم أنني كنت أعمل بلا دعم مادي ولا معنوي..كنت أكتب وحدي..وأتحمل وحدي..وأدافع وحدي. ويشهد الله أن كل ما فعلته كان بدافع حب الوطن فقط لا أكثر..حب يجبرك على الوقوف في وجه الريح حتى لو كنت وحدك.
استمريت على هذا النهج سنوات طويلة والفت كتاب (مدونة فهد الحربي) بجزئها الأول ثم قدمت الجزء الثاني عام 2025 في كتاب ضخم من 600 صفحة وقد تم فسحه من وزارة الإعلام..كنت أظن أنني سأواصل الطريق بلا توقف لكن الإنسان يتغير..والظروف تتغير..والسياسة نفسها أصبحت ملعباً لا يمكن التنبؤ باتجاهاته..أصبحت متقلبة إلى حد يجعل الكاتب يفكر ألف مرة قبل أن يضع كلمة واحدة على الورق.
لهذا السبب وبعد هذه المسيرة المتواضعة قررت أن أبتعد كلياً عن الكتابة السياسية..ليس انسحاباً..ولا تراجعاً..بل انتقالاً إلى مساحة أخرى أرى أنني أستطيع أن أقدم فيها شيئاً مختلفاً..هناك من يكتب ويدافع أفضل مني بكثير وهم أهل لهذه المهمة ولديهم أدواتها ووقتها وطاقتها..أما أنا فقد اخترت أن ألتفت لحياتي الأسرية ولأعمالي الاجتماعية والتطوعية ولما يمكن أن أقدمه للناس بشكل مباشر.
ومع ذلك سيبقى حب الوطن في داخلي كما هو لا يتغير ولا يهدأ ولا يبتعد..لكن القرار اتخذته بعد أن وصلت إلى قناعة شخصية بأن لكل مرحلة عمرها..وأن الدفاع عن الوطن لا يكون دائماً عبر المقالات والتغريدات بل قد يكون عبر العمل..عبر خدمة الناس..عبر بناء شيء يبقى.
أسأل الله أن يحفظ وطني الغالي في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الامين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان وأن يديم علينا نعمة الأمن والاستقرار..وأن يجعل مستقبل هذه البلاد امتداداً لجمال تاريخها وقوة حاضرها.
فهد الحربي
اغسطس 2026