القواعد الأمريكية بين الواقع والاتهامات الإيرانية
القواعد الأمريكية بين الواقع والاتهامات الإيرانية
من يسمع بعض التصريحات الإيرانية أو (المتأيرنين العرب) عن القواعد الأمريكية في الخليج العربي يظن أن هذه القواعد نزلت من السماء خصيصاً لإزعاج طهران.
كأن الخليج العربي مجرد ساحة خلفية لهم. الحقيقة أبسط وأقسى مما يتخيلون..دول الخليج العربي لم تنتظر إذناً من أحد لتقرر كيف تحمي نفسها ولا هي مضطرة لتشرح كل خطوة تقوم بها..القواعد موجودة لأنها تخدم مصالح خليجية قبل أي شيء آخر ومصالح واضحة جداً..تدريب، جاهزية، ردع، حماية طرق التجارة، دعم لوجستي، تبادل معلومات، وحتى التعامل مع الكوارث لو حصلت (لاسمح الله)..ليست قصة (خوف من إيران) كما يدعي البعض تصويرها.
والأمر المضحك أن الإيرانيين يتجاهلون وجود قواعد أمريكية في تركيا وأذربيجان..المسافة هناك أقرب، والاحتكاك السياسي أشد، ومع ذلك لا نسمع نصف هذا الصراخ لماذا؟
لأن المشكلة ليست في القواعد، بل في الخليج العربي نفسه !!
الخليج العربي بالنسبة لهم مساحة يريدون أن يمدّوا نفوذهم فيها لذلك أي وجود خارجي يصبح (تهديداً) بينما في تركيا وأذربيجان فجأة يصبح الوجود الأمريكي (عادياً) تناقض مكشوف ولا يحتاج محللاً سياسياً ليفهمه.
الناس هنا في الخليج العربي يعرفون لماذا هذه القواعد موجودة..ليس لأنهم يحبون رؤية الجنود الأجانب ولا لأنهم ينتظرون من أحد أن يمسك بيدهم..لكن لأن المنطقة ليست ملعباً آمناً..من ينسى الغزو العراقي الغاشم للكويت الشقيقة؟
من ينسى الصواريخ التي مرت فوق المدن؟
من ينسى أن الخليج العربي هو شريان الطاقة العالمي وأن أي اضطراب بسيط فيه يهزّ الاقتصاد الدولي كله؟
القواعد ليست مجرد (حماية) بل جزء من منظومة كاملة..تدريب مشترك يرفع مستوى الجيوش الخليجية، تجهيزات لوجستية لا يمكن بناؤها محلياً بين يوم وليلة، غرف عمليات مشتركة، مراقبة للممرات البحرية، وحتى دعم تقني في مجالات لا تُعلن على التلفزيون.
والأهم من كل هذا سيادة دول الخليج العربي ليست موضوعاً مطروحاً للنقاش أصلاً..لا أحد هنا يشعر أن وجود القواعد يمسّ سيادته. الاتفاقات واضحة، والشروط خليجية، والقرار خليجي..من يظن أن هذه الدول (تتنازل) عن سيادتها، فهو ببساطة لا يعرف كيف تُدار العلاقات الدولية اليوم.
ألمانيا، اليابان، كوريا الجنوبية..كلها دول فيها قواعد أمريكية ولم يقل أحد إن سيادتها ناقصة. السيادة تُقاس بالقرار، لا بعدد الجنود الأجانب على الأرض..والخليج العربي قراره بيده وهذا يكفي.
ثم لنكن صريحين..القواعد ليست موجّهة ضد إيران..لو كانت كذلك لكانت في أماكن أقرب بكثير..وجودها في الخليج العربي مرتبط بأمن الملاحة، وبحماية منشآت الطاقة، وبالتدريب، وبالردع العام، وبالتوازن الإقليمي.
إيران تحب أن تجعل كل شيء يدور حولها لكن العالم لا يعمل بهذه الطريقة..الخليج العربي لديه أولوياته، وإيران ليست واحدة منها.
الخطاب الايراني في مجملة يحاول صناعة (عدو خارجي) ليبرر التوتر الداخلي..طريقة سهلة للهروب من الأسئلة الصعبة..لكن هذا لا يغيّر شيئاً في الواقع..القواعد موجودة لأن دول الخليج العربي تريدها ولأنها تخدم مصالحها، ولأن المنطقة لا تحتمل المغامرات..ومن يزعجه هذا الوجود، فمشكلته ليست مع واشنطن..مشكلته مع حقيقة أن الخليج عربي وسيبقى عربي ان شاء الله.