الزوج الطاغية

الزوج الطاغية

عشرون عاماً تحت سقف واحد..عشرون عاماً مع رجل لايربط بينها وبينه سوى خوفها منه وقلة حيلتها امامه. خمسة ابناء ثمرة هذا الزواج الاجباري..الآن كبروا جميعهم اصبح لكل واحد من ابنائها حياته الخاصة المنفردة وبقيت هي وحيدة كما بدأت لتكمل مشوار حياتها مع هذا الرجل الطاغية..وضحكت في نفسها:
أي طاغية..لم يعد الآن بعد هذه السنوات الطويلة ذاك الزوج الطاغية ولا الرجل الجبار القاسي الحاد الطباع الذي كانت تخافه وتهابه وهي ايضاً لم تعد تلك المرأة المذعورة المكسورة الجناح.
عشرون عاماً خلالها يبس العود الطري وكبر الصغير وقوي الضعيف..نعم هذا ماحدث معها اما بالنسبة له هو فلقد انكسر العود اليابس وهرم الكبير وأنهار القوي فأضحى ضعيفاً.
حينما تزوجته كان يكبرها بعشرين عاماً رجل قوي جبار الشخصية حاد الطباع..جارح الالفاظ..شرس الاخلاق..اما هي فقد كانت في ال (17) من عمرها هادئة.. مسالمة مما ساعده اكثر على السيطرة والتحكم بها حسب مشيئته.
الله.. الله..ما أغباه لم يخطر بباله ابداً ان الأيام ستمر وهذه الصغيرة الطفلة المراهقة لابد وانها ستكبر..ستصبح امرأة لها كيان يرفض ويقبل ويحاسبه على كل افعاله.
وأنسابت دمعة على خدها وهي تتذكر مشوارها الطويل معه كانت تجلس امام البحيرة والطبيعة بجمالها وسحرها تحتضنها بحنان ودفء تمنت لو أنها شعرت بهذا الحنان والطمأنينة في ايام صباها مع شريك عمرها..لكن هيهات..هيهات..
. في بداية مشوارها معه كل ما كانت تتمناه لو أنه توقف عن إرهابها بصوته الجهوري وغضبه المفزع!! العشرون عاماً الأولى في حياتها معه لاتذكر سوى ثوراته وغضبه لأتفه الأمور..مرت ايامها بلا افراح وبلا ضحك..مرت كعقارب الساعة في دورانها عالمها محدود ضيق حتى داخل منزلها كانت هناك مناطق محرمة عليها.. كانت له هو ولشلته اصحاب السوء ولم تجرؤ قط على السؤال او حتى التفكير بماذا كان يدور في تلك المنطقة المحظورة عليها..لايهمها..المهم ان يكفيها الله شر غضبه ويبعد عنها ثورته.
ومرت السنوات..عجباً كيف صبرت وتحملت كل هذا الظلم والهوان؟
(الحريم لازم يصبرن) مازالت تذكر أن والدتها تردد هذه العبارة كلما اتت باكية او شاكية حالها.
لقد صبرت ليس من أجل عبارة والدتها التي ترددها دائماً.. بل صبرت من اجل ابنائها ورعايتهم ليس إلا. ومرت الأيام والأيام في مرورها تغير ما لايتغير وتشفي
مالايشفى..سبحان الله بدأت الأحوال تتبدل كان هو يكبر ويهرم ويضعف..وهي تكبر وتتألق وتقوى..كان هو يقسو ويتجبر الى ان أنكسر عوده من شدة قسوته.
وهي كانت تنمو بلين ورفق وعظمة..آلامها واحزانها البستها ثوباً من الوقار والحكمة..وهكذا ما ان بلغت ال (45) من عمرها حتى أصبحت محور اسرتها امرأة ناضجة..واعية..رزينة علمها صبرها وحزنها وحرمانها كيف تحظى على حب واحترام الجميع.
أما هو بسبب طباعه الحادة وشراسته اصبح الدواء صديقه..دواء للضغط.. دواء للسكري دواء لإنسداد شرايين القلب..وهكذا لم يعد بإستطاعته أن يخيف احداً ولم يعد يمتلك سلطة وقوة يتحكم بها فيمن حوله..لم تعد خطوته ترعب حتى العامله في المنزل وصراخه كان يضيع تدفنه نوبات السعال كلما حاول ان يصرخ او يشتم..وهكذا دارت الايام وتكسرت قضبان زنزانة الخوف وقيود السيطرة من حولها..ابناؤها دائماً حولها فهي الأم والصديقة والأخت بالنسبة لهم.
اما هو فقد انعزل حتى ابناءه لم يستطيعوا ان يكسبوا رضاه لأنه لم يسمح لهم من ان يتقربوا اليه.
انها الآن ترعاه في مرضه وتعتني به وتقوم بواجب إنساني أخلاقي تجاهه..
لقد ضاع عمرها معه كزوج ولكن لايأس من رحمة الله..محبة ابنائها ومحبة من حولها لها ورضاؤها ضميرياً عن ذاتها كل هذه الأمور بلسم لكل الآلام والمعاناة.
ومسحت دمعة انسابت ولكنها لن تجف ابداً في مقلتيها وهي تردد بينها وبين نفسها: من يرد لي أيام عمري لأعيشها؟.

مدونة فهد الحربي : الزوج الطاغية

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *