ما أجمل الوفاء وما أندر الأوفياء

ما أجمل الوفاء وما أندر الأوفياء

هناك لحظات في الحياة لا تُنسى..لحظات تشعر فيها بأن الزمن يتوقف قليلاً ليمنحك فرصة للتأمل، وكأن العالم يريد أن يذكرك بأن بعض المشاعر لا يقدر عليها الفناء.
هذا ما شعرت به تماماً عندما سافرت إلى الهند، ووقفت أمام تاج محل لأول مرة..لم يكن مجرد مبنى أبيض يلمع تحت الشمس، بل كان صمتاً عميقاً يروي قصة حب لم تستطع القرون أن تطمس أثرها.
وقفت طويلاً أتأمل تفاصيله، وكلما رفعت بصري إلى قبته العالية شعرت بأن هناك قلباً ما يزال يخفق رغم مرور مئات السنين.
كنت أعرف قصة (شاه جهان) و(ممتاز محل) قبل أن أصل إلى هناك، لكن معرفتها شيء، والوقوف أمام أثرها شيء آخر تماماً.
في الكتب نقرأ عن الحب، وفي الأفلام نراه، لكن هنا..هنا تشعر به..تشعر بأن رجلاً عاش قبل أربعة قرون أحب امرأة لدرجة أنه بنى لها ضريحاً صار رمزاً عالمياً للجمال والوفاء..لم يكن يبحث عن مجد، ولم يكن يريد أن يخلّد نفسه، بل أراد أن يخلّدها هي، المرأة التي كانت رفيقة روحه وملاذه الوحيد في عالم مليء بالصراعات.
الحقيقة التاريخية بسيطة وواضحة (ممتاز محل) لم تكن مجرد زوجة لسلطان، بل كانت أقرب الناس إليه، ترافقه في أسفاره، وتشاركه هموم الحكم، وتخفف عنه قسوة الأيام..ماتت أثناء ولادة طفلها الرابع عشر بين يديه، وهو عاجز عن فعل أي شيء سوى أن يراها ترحل..لم يكن رحيلها حدثاً عابراً في حياته، بل كان جرحاً لم يلتئم أبداً. بعد موتها تغيّر الرجل، خفت صوته، وهدأت خطواته، وكأن جزءاً منه دفن معها.
حين بدأ بناء تاج محل، لم يكن يفكر في العظمة، بل كان يفكر في الذكرى..أراد مكاناً يليق بامرأة أحبها بصدق، امرأة كانت بالنسبة له أكثر من لقب وأكثر من دور..كل حجر في ذلك البناء يحمل شيئاً من حزنه، وكل زخرفة تحمل شيئاً من حنينه..سنوات طويلة قضاها وهو يشرف على كل تفصيلة، كأنه يكتب رسالة طويلة لايريد أن يخطئ في حرف واحد منها.
وأنا أقف أمام ذلك الصرح، شعرت بأن الوفاء ليس كلمة تُقال، بل فعل يبقى..شعرت بأن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى مبالغة ولا إلى قصص خيالية، يكفي أن يكون صادقاً ليترك أثراً لا يزول. ربما لم يكن (شاه جهان) رجلاً كاملاً وربما ارتكب أخطاء كثيرة في حياته السياسية، لكنه في حب (ممتاز) كان وفياً كما لم يكن أحد.
تساءلت وأنا أنظر إلى انعكاس السماء على الرخام الأبيض..كم من الناس اليوم يستطيعون أن يحبوا بهذه الطريقة؟
كم من القلوب ما تزال تعرف معنى العهد؟
في زمن تتغير فيه العلاقات بسرعة وتبهت فيه المشاعر مع أول خلاف..تبدو قصة (شاه جهان) و(ممتاز محل) كأنها من عالم آخر..عالم يعرف أن الحب مسؤولية، وأن الوفاء ليس رفاهية، بل جوهر العلاقة.
خرجت من المكان وأنا أشعر بأن شيئاً ما تغيّر في داخلي..ليس لأنني رأيت مبنى جميلاً بل لأنني رأيت أثر إنسان أحب بصدق..أدركت أن الوفاء ليس نادراً لأنه مستحيل، بل لأنه يحتاج قلباً
لايخاف من أن يمنح، ولا يخاف من أن يخسر. وما أجمل القلوب التي تعرف كيف تحب..وما أندر الأوفياء الذين يظلون على عهدهم حتى بعد أن يرحل من أحبّوهم.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *