أهلاً بعصافير الجنة
أهلاً بعصافير الجنة
في صباح يشبه أول صفحة في دفتر جديد، تتقاطر خطوات الأطفال نحو المدرسة..بعضهم يركض كأنه يعرف الطريق منذ زمن، وبعضهم يمشي ببطء، يجرّ حقيبته كأنها تحمل كل دهشته وخوفه..ترى الطالب الصغير يلتفت خلفه كل لحظة، يبحث عن يد أمه التي تركها قبل دقائق، وكأنه لم يتعلم بعد كيف يترك شيئاً يحبه دون أن ينكسر قلبه قليلاً.
وتأتي الطالبة بخطوات مترددة، تمسك طرف عباءتها الصغيرة، وتشد على حقيبتها الوردية كأنها تحمل فيها جزءاً من غرفتها من لعبتها المفضلة، من رائحة بيتها..عيناها تتنقلان بين الوجوه، بين الجدران، بين الأصوات التي لا تزال غريبة عليها..تحاول أن تبدو قوية، لكنها حين تسمع جرس المدرسة ترتجف لحظة، ثم تخفي ارتجافتها بابتسامة صغيرة لا تخدع أحداً.
هؤلاء الأطفال لم يأتوا من فراغ..جاؤوا من بيوت مليئة بالدفء، من غرف يعرفون كل زاوية فيها، من أمهات يلبسنهم حقائبهم بيد ترتجف خوفاً عليهم، ومن آباء يخفون قلقهم خلف كلمات تشجيع قصيرة..اعتادوا أن يركضوا بلا إذن، أن يضحكوا بلا سبب، أن يبكوا في حضنٍ يعرف كيف يهدّئهم.
واليوم يجدون أنفسهم في عالم لا يشبه عالمهم، عالم له نظام، وله صوت أعلى من أصواتهم، وله قوانين لا تُكسر بسهولة.
يدخل الطالب الصف فيجلس على الكرسي كأنه يجلس على بداية عمر جديد..يراقب الأطفال حوله، يحاول أن يفهم لماذا يجب أن يبقى في مكان واحد، ولماذا لا يستطيع أن يركض كما يفعل في البيت..وتجلس الطالبة بجانبه، تضع يديها في حجرها، وتتنفس بعمق كأنها تتعلم للمرة الأولى كيف تكون جزءاً من مجموعة لا تعرفها.
أيها المعلمون والمعلمات:
هؤلاء ليسوا مجرد طلاب.
إنهم أطفال يحملون في جيوبهم الصغيرة بقايا طفولة لم تكتمل بعد..كل واحد منهم جاءكم بطريقته من يبكي بصوت خافت، من يضحك بلا توقف، من يختبئ خلف حقيبته، ومن يرفع رأسه بثقة أكبر من عمره..لا تعتبوا على من يتحرك كثيراً..ولا على من يسأل كثيراً..ولا على من ينسى التعليمات بعد دقيقة..فهم لايختبرون صبركم، بل يحاولون أن يتصالحوا مع عالم جديد لم يعتادوه بعد.
امنحوهم وقتاً..
امنحوهم قلباً واسعاً..
فما أجمل أن يشعر الطفل أن المدرسة ليست باباً يُغلق خلفه، بل نافذة تُفتح له.
أهلاً بعصافير الجنة، بكل طالب وطالبة يدخلان هذا الصباح بخطوات صغيرة، ويحملان في صدريهما أحلاماً أكبر من حجمهما.