اورفيوس وعالم الظلمات

اورفيوس وعالم الظلمات

لم يكن (أورفيوس) يعرف ماذا يفعل بالضبط بعد أن غابت زوجته..لم يكن هناك شيء محدد يفعله. كان يستيقظ، يجلس على طرف السرير، ينظر إلى الأرض فترة طويلة، ثم ينهض بلا سبب واضح. أحياناً يفتح الخزانة، لا ليأخذ شيئاً، بل فقط ليتأكد أن الأشياء ما زالت في مكانها..كأن ترتيب الأشياء يعوّض الفوضى التي بداخله.
لم يكن يتحدث كثيراً..لم يكن لديه ما يقوله..الكلمات كانت تبدو له مثل أثاث قديم لايعرف أين يضعه..الناس حاولوا أن يقتربوا منه، لكنه كان يشعر أنهم يقفون عند باب لايعرفون كيف يفتحونه..لم يكن يلومهم، لكنه كان يعرف أن ما يشعر به لا يمكن شرحه.
وفي يوم ما وهو يمشي بلا هدف، جاءت الفكرة.. لم تكن فكرة واضحة ولا حتى منطقية..مجرد شيء مرّ في رأسه: (اذهب إليها) لم يسأل نفسه كيف أو أين..فقط شعر أن عليه أن يتحرك..أن يبذل شيئاً أي شيء، حتى لو كان بلا معنى..أخذ قيثارته معه، لا لأنه يحتاجها، بل لأنها كانت الشيء الوحيد الذي لم يتغير شكله منذ رحيلها.
الطريق إلى عالم الظلمات لم يكن كما تخيله..لم يكن مظلماً تماماً، ولا مخيفاً تماماً..كان أشبه بمكان لا يعرف ماذا يريد أن يكون..الهواء ثقيل، نعم لكن ليس خانقاً..الأرض صلبة، لكن ليست قاسية..كان يمشي وهو يشعر أنه لايعرف إن كان يقترب أم يبتعد.
حين وصل إلى الحاكم، لم يكن لديه كلام..لم يكن يعرف ماذا يقول أصلاً..وقف للحظة ثم رفع القيثارة وعزف..لم يكن عزفاً جيداً..بعض النغمات خرجت متأخرة، وبعضها خرج قبل أن يلمس الوتر جيداً..لكنه لم يتوقف..لم يكن يحاول إقناع أحد، كان فقط يحاول أن يخرج شيئاً من صدره.
الحاكم استمع..لا أحد يعرف لماذا وافق..ربما لأن الموسيقى كانت صادقة أو لأنها كانت مكسورة، أو لأنه رأى في الرجل شيئاً يشبهه..وضع شرطه، و(أورفيوس) وافق دون أن يفكر..لم يكن لديه رفاهية التفكير.
بدأ يمشي يسمع خطوات خلفه..لم يكن متأكداً أنها هي لكنه كان يريد أن يصدق..كان يتردد أحياناً، يكاد يلتفت، ثم يضغط على نفسه ويمضي..كان الخوف يرافقه، لكنه لم يتوقف.
وحين رأى الضوء، لم ينتظر..التفت بسرعة كأن شيئاً داخله سبقه..رآها للحظة قصيرة..قصيرة جداً ثم بدأت تتلاشى..لم يتحرك..لم يقل شيئاً..فقط بقي واقفاً كأن جسده لم يفهم بعد أن اللحظة التي انتظرها طويلاً انكسرت قبل أن يمسكها.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *