الوساوس المرضية مالها وماعليها
الوساوس المرضية مالها وماعليها
هناك أشياء لا نحب الاعتراف بها، ليس لأنها مخجلة، بل لأنها مربكة..الإنسان بطبيعته يحب أن يبدو متماسكاً يعرف ما يفعل، واثقاً من قراراته، قادراً على ضبط يومه..لكن هناك لحظات ينفلت فيها شيء صغير من بين أصابع السيطرة، شيء لا يراه الآخرون، لكنه يربك الداخل كله. الوسواس واحد من تلك الأشياء التي تبدأ بلا ضجيج، ثم تكبر بصمت، حتى يصبح الإنسان غريباً عن نفسه.
الوسواس ليس فكرة مزعجة فقط، بل طريقة كاملة في الشعور..إنه ذلك الإلحاح الذي لا يعرف الرحمة، تلك الفكرة التي تعود كلما حاولت طردها، ذلك القلق الذي لا يهدأ حتى لو كنت تعرف أنه بلا سبب..كثيرون يعيشون هذه الحالة دون أن يلاحظهم أحد، لأن الوسواس لا يترك علامات على الوجه، بل يتركها في طريقة النظر إلى الأشياء، في طريقة لمس الأشياء، في طريقة التفكير قبل النوم.
ومع تسارع الحياة، صار الإنسان أكثر عرضة لهذا النوع من القلق..لم يعد الأمر مقتصراً على الخوف من التلوث أو ترتيب الأشياء، بل أصبح يشمل الخوف من اتخاذ قرار، أو من فقدان السيطرة، أو من فكرة لا يريدها أصلاً.
الوسواس اليوم يتسلل إلى تفاصيل صغيرة جداً حتى تلك التي لا ينتبه لها أحد..قد يكون مجرد شعور بأن شيئاً ما (ليس في مكانه) أو أن خطوة ما (لم تتم كما يجب) أو أن احتمالاً ضعيفاً جداً قد يتحول إلى كارثة.
ولأن الوسواس يعيش في الداخل، فإن صاحبه غالباً ما يواجهه وحده..يحاول أن يبدو طبيعياً أن يبتسم، أن يشارك الآخرين يومهم، لكنه في داخله يخوض معركة لا يسمعها أحد..يعرف أن أفكاره غير منطقية، لكنه لا يستطيع تجاهلها..يعرف أنه أغلق الباب، لكنه يشعر بأن عليه العودة..يعرف أن الغاز مطفأ، لكنه يسمع في داخله صوتاً صغيراً يقول: (وماذا لو لم يكن كذلك؟)
إنها ليست مسألة شك بل مسألة خوف من الشعور بالذنب، خوف من أن يحدث شيء سيئ لأنه لم يتأكد بما يكفي.
وقد رأيت هذا القلق عن قرب من خلال صديقي (أبوسعد) لم يكن من النوع الذي يتحدث عن نفسه كثيراً لكنه كان يحمل في داخله ما يكفي لإرهاق شخصين لا شخصاً واحداً..كان يعمل في مجال يتطلب دقة عالية، وربما كانت هذه الدقة هي الباب الذي دخل منه الوسواس..بدأ الأمر بشكل بسيط يتأكد من باب السيارة مرة أو مرتين. ثم صار يعود إليه ثلاث مرات ثم خمس ثم عشر. كنت أراه يفعل ذلك وأظنه يمزح، لكنه لم يكن يمزح كان يحاول أن يطمئن، لكنه لم يكن يطمئن أبداً.
وذات مساء، جلس أمامي في مقهى هادئ وبدت على وجهه ملامح لم أرها من قبل..قال لي إنه لم يعد قادراً على الخروج من المنزل بسهولة..يقف أمام الباب، يمد يده إلى القفل، يبتعد، يعود، يلمسه مرة أخرى..قال إنه يعرف أن الأمر غير منطقي، لكنه يشعر بأن فكرة ما تمسكه من كتفه وتعيده..قال إنه يخاف من الشعور بالذنب أكثر من خوفه من الخطأ نفسه..كان يتحدث وكأنه يفرغ حملاً ظل يحمله طويلاً.
لم أكن أملك حلاً لكنني قلت له ما شعرت به:
(أنت تحتاج أن تتحدث مع شخص يفهم هذا النوع من القلق)
وبعد أيام ذهب إلى طبيب نفسي لم يكن يهمه اسمه ولا خلفيته، كان يريد فقط أن يجد من يشرح له ما يحدث في داخله جلس معه، وتحدث عن كل ما كان يخفيه..أخبره الطبيب أن ما يعانيه ليس ضعفاً ولا مبالغة، بل نمط من القلق يتضخم مع الوقت إذا لم يُفهم..بدأ جلسات علاج تساعده على مواجهة الفكرة بدل الهروب منها، وعلى ترك الباب خلفه دون أن يعود إليه وبعد أشهر، لم يختفِ الوسواس تماماً لكنه لم يعد يتحكم به. صار (ابو سعد) يقول لي: (أنا لا أبحث عن الشفاء الكامل أنا فقط أريد أن أعيش يومي دون أن يجرّني شيء من الخلف)
هذه التجربة جعلتني أفهم أن الوسواس ليس مجرد حالة نفسية، بل تجربة إنسانية كاملة..إنه ليس ضعفاً في الشخصية، ولا قلة إيمان، ولا نقصاً في الإرادة..إنه طريقة معينة يتعامل بها الدماغ مع الخوف طريقة قد تكون مرهقة، لكنها قابلة للفهم والعلاج.
كثيرون يعيشون الوسواس دون أن يعرفوا اسمه، ودون أن يعرفوا أن ما يحدث لهم يحدث لغيرهم أيضاً.
العصر الحديث جعل الوسواس أكثر تنوعاً لكنه جعل فهمه أسهل..لم يعد الناس يخجلون من الحديث عنه كما كانوا يفعلون في الماضي..صار المصاب يبحث، ويسأل ويطلب المساعدة..وهذا وحده خطوة كبيرة نحو التعافي..فالإنسان حين يفهم ما يحدث له، يصبح قادراً على مواجهة
مايخيفه..وحين يجد من يسمعه، يشعر أن الطريق أقل ظلمة.
الوسواس ليس عدواً يجب سحقه بل رسالة تحتاج إلى فهم..إنه يقول لصاحبه: (هناك خوف لم يُسمع بعد) وحين يبدأ الإنسان في الإصغاء لنفسه، وفي طلب المساعدة، وفي إعادة بناء علاقته بعقله، يبدأ الضوء في الظهور من جديد. ليس بسرعة، وليس دفعة واحدة، لكنه يظهر. والإنسان، مهما طال الطريق، قادر على أن يعود إلى نفسه، وأن يعيش يومه دون أن يطارده ظلّ فكرة لا يريدها.