قراءة الفنجان ..بين الوهم والحقيقة

قراءة الفنجان ..بين الوهم والحقيقة

لا أعرف متى بدأت حكاية الفنجان بالضبط، ولا متى تحوّل البن الملتصق بجدران الكوب إلى ما يشبه خريطة سرية يقرأ منها الناس مصائرهم، لكن المؤكد أن هذه العادة سبقتنا جميعاً وبقيت معنا رغم كل ما تغيّر..وربما كان الشاعر الراحل (نزار قباني) هو أكثر من التقط روح هذه الظاهرة حين كتب قصيدته الشهيرة قارئة الفنجان، تلك التي جعلت الفنان الكبيرالراحل (عبدالحليم حافظ) يجلس أمام امرأة تخبره بأن (طريقه مسدود) وكأنها تعرف ما لا يعرفه.
القصيدة لم تكن مجرد كلمات، بل كانت مرآة لشيء في داخلنا، ذلك القلق الذي يجعل الإنسان يبحث عن أي نافذة يرى منها الغد، حتى لو كانت نافذة موهومة.
ولأن الإنسان بطبيعته يميل إلى ما يطمئنه، بقيت قراءة الفنجان حاضرة، رغم أن العلم تقدّم والدين أوضح موقفه ومع ذلك، لا تزال هناك نساء يجلسن في بيوت قديمة أو مقاهٍ شعبية، يقرأن الفنجان كما لو أنهن يقرأن كتاباً مفتوحاً.. والغريب أن الناس، مهما اختلفت ثقافاتهم، يعودون إليهن، مرة بعد مرة، كأنهم يبحثون عن كلمة واحدة فقط: (اطمئن)
قبل سنوات وجدت نفسي في موقف لم أتوقعه. كنت في زيارة قصيرة لإحدى الدول العربية، رحلة عمل لا أكثر، ولم يكن في بالي أي شيء له علاقة بالفنجان أو التنجيم..لكن في إحدى الأمسيات، وبعد يوم طويل من الاجتماعات اقترح عليّ زميل أن نذهب إلى سيدة (مشهور عنها أنها تقرأ الفنجان) لم آخذ الأمر بجدية في البداية، وضحكت، لكن الفضول كان أقوى من السخرية.. قلت لنفسي إن التجربة لن تضر، وإن معرفة كيف يفكر الناس جزء من فهم المجتمع نفسه.
ذهبنا إلى منزل السيدة، وكان في حي قديم، الأزقة ضيقة، والبيوت متلاصقة، والهواء يحمل رائحة قهوة مطحونة حديثاً..استقبلتنا امرأة في منتصف العمر، بملامح هادئة، وابتسامة فيها شيء من الثقة، أو ربما من الاعتياد..جلست أمامها، وشربت القهوة كما طلبت، ثم قلبت الفنجان على الصحن، وانتظرنا دقائق حتى يجف البن..كانت تنظر إلى الفنجان كما لو أنها تنظر إلى شيء حي ثم بدأت تتحدث..قالت إنني (أقف على مفترق طرق) وإن هناك (سفراً قريباً) وإن شخصاً (يحمل لي خيراً) لم أعلّق ولم أظهر أي رد فعل..كنت أراقب الطريقة أكثر من الكلمات. سألتها عن كيفية القراءة فقالت إن الأمر (موهبة) وإنها (تشعر بالأشياء) لم أجادلها فقد كنت أعرف أن النقاش لن يغيّر شيئاً خرجت من عندها وأنا أفكر في أن قراءة الفنجان ليست قراءة للمستقبل، بل قراءة للإنسان نفسه، لقلقه، لملامحه، لطريقة جلوسه، لنبرة صوته..كانت تجربة غريبة، لكنها جعلتني أفهم لماذا يذهب الناس إلى مثل هذه الأماكن.
ورغم أن التجربة بالنسبة لي كانت مجرد فضول ثقافي، إلا أنني أدركت أن كثيرين لا يذهبون بدافع الفضول، بل بدافع الحاجة..الإنسان حين يضيق صدره يبحث عن أي كلمة تطمئنه، حتى لو جاءت من فنجان..وبعض قارئات الفنجان يمتلكن قدرة على التقاط التفاصيل الصغيرة، تلك التي لا ينتبه لها صاحبها، فيحوّلنها إلى (نبوءات) تبدو دقيقة. وهذا ما يجعل البعض يظن أنهن يعرفن الغيب، بينما الحقيقة أنهن يعرفن البشر فقط، ويعرفن كيف يلتقطن ما بين الكلمات.
الدين كان واضحاً في هذا الباب..الغيب لله وحده، ولا يملك أحد أن يفتح بابه..العلماء تحدثوا كثيراً عن أن اللجوء إلى العرافين والمنجمين نوع من التعلق بغير الله، وأنه يفتح باباً من الوهم قد يجرّ صاحبه إلى الاعتماد على كلمات لا أساس لها. بعض الفقهاء قالوا إن إصابة قارئة الفنجان أحياناً لا تعني أنها تعرف الغيب، بل قد تكون مصادفة، أو استنتاجاً ذكياً أو نتيجة لما يسمعه الإنسان منها ثم يربطه لاحقاً بما يحدث له.
الدين لا يحارب الفضول، لكنه يحارب أن يسلّم الإنسان عقله وقلبه لمن لا يملك شيئاً من الحقيقة.
أما العلم فقد تناول الظاهرة بطريقة مختلفة تماماً. علماء النفس في جامعات غربية درسوا ما يسمّى (تأثير بارنوم) وهو ميل الإنسان إلى تصديق أي وصف عام يظن أنه ينطبق عليه، حتى لو كان يمكن أن ينطبق على أي شخص آخر.
الطبيب النفسي البريطاني (ريتشارد وايزمان) كتب كثيراً عن أن قارئات الفنجان يعتمدن على مزيج من الملاحظة الدقيقة واللغة العامة، وليس على أي قدرة خارقة.
وفي دراسة أجرتها جامعة ستانفورد، وُجد أن الأشخاص الذين يعانون من القلق أو عدم اليقين هم الأكثر قابلية لتصديق التنجيم وقراءة الطالع، لأن عقولهم تبحث عن إجابة، حتى لو كانت غير منطقية.
طبيب الأعصاب الألماني (توماس متزنغر) تحدث عن أن الدماغ مهيأ لربط الأنماط حتى لو لم تكن موجودة، وهذا ما يجعل رؤية (طريق) أو (حصان) في خطوط القهوة أمراً طبيعياً لمن يريد أن يراه.
ورغم كل هذا تبقى قراءة الفنجان جزءاً من الثقافة الشعبية..ليست علماً وليست ديناً، لكنها عادة، وربما وسيلة للتنفيس..بعض الناس يذهبون إليها كما يذهبون إلى صديق قديم، يريدون أن يسمعوا كلمة طيبة، أو يفرغوا ما في صدورهم..وبعض قارئات الفنجان يعرفن هذا جيداً فيقدمن للناس ما يحتاجونه من دفء لامن معرفة..وربما لهذا السبب بقيت الظاهرة حيّة، رغم كل ما قيل عنها.
حين أتذكر تلك الليلة في ذلك الحي القديم، أدرك أنني لم أذهب لأعرف مستقبلي، بل لأفهم لماذا يبحث الإنسان عن من يخبره بما سيحدث..ربما لأن المجهول ثقيل، ولأننا نحتاج أحياناً إلى من يخفف عنا حمله، حتى لو كان ذلك عبر فنجان قهوة مقلوب.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *