الحب هذا الرائع العظيم في حياتنا
الحب هذا الرائع العظيم في حياتنا
لا أعرف لماذا يصرّ الحب على الظهور في حياتنا في اللحظات التي لا نتوقعه فيها..كأنه طفل عنيد يفتح الباب دون أن يطرقه.
أحياناً أقول لنفسي إنني فهمته، ثم يحدث شيء بسيط..نظرة.. كلمة..حتى صوت عابرفأكتشف أنني لا أفهم شيئًا.
الحب ليس درساً نتعلمه، ولا مهارة نكتسبها، ولا فكرة نناقشها..هو شيء يحدث..فقط يحدث، ويتركنا نتعامل معه بطريقتنا المرتبكة.
الغريب أن الناس يتغيرون، والعالم يتغير، وكل شيء تقريباً صار أسرع مما ينبغي ومع ذلك، حين يحب أحدهم، يتباطأ الزمن حوله كأن الحب يملك قدرة غريبة على إبطاء العالم..ترى الشخص نفسه الذي كان يركض طوال اليوم، يجلس فجأة أمام رسالة قصيرة ويقرأها عشر مرات..ترى شخصاً كان لا يهتم بشيء، يصبح فجأة حساساً لكل تفصيلة صغيرة..هذا وحده يكفي لأفهم أن الحب لا علاقة له بزمننا السريع، ولا بالماديات، ولا بوسائل التواصل التي تحاول أن تختصر كل شيء.
قرأت مرة (لا أذكر أين بالضبط) أن بعض الأطباء في الغرب حاولوا أن يدرسوا الحب كما يدرسون أي مرض أو حالة..(هيلين فيشر) مثلاً تلك الباحثة التي قضت سنوات في تصوير أدمغة العشاق، قالت إن الحب يشعل مناطق معينة في الدماغ.
طبيب آخر قال إن الحب يجعل الجهاز العصبي أكثر قدرة على التحمل..ربما هذا صحيح، وربما لا..العلم يفسر ما يحدث في الجسد، لكنه لا يعرف لماذا يشتاق قلبك لشخص دون غيره، ولا لماذا يظل اسمه عالقاً في رأسك حتى وأنت تحاول نسيانه.
وأنا لا أكتب هنا لأحلل، بل لأقول إن الحب، رغم كل شيء لا يموت حتى في هذا الزمن الذي صار كل شيء فيه سريعاً حتى في زمن (اقرأ الرسالة ولا ترد) حتى في زمن العلاقات الخفيفة التي تبدأ وتنتهي في يوم واحد..الحب الحقيقي لا يتأثر قد يختفي قليلاً قد يبتعد، لكنه لا ينتهي..لأن الحب ليس عادة من عادات الناس، بل حاجة من حاجات الروح والروح لا تتغير بتغير التطبيقات.
الحب ليس كلمات جميلة، ولا صوراً تُنشر، ولا وعوداً تُقال في لحظة حماس..الحب وفاء..وفاء بمعناه البسيط أن تبقى..أن تكون موجوداً حين يحتاجك الآخر، لا حين يناسبك الوقت..الحب إخلاص..ليس الإخلاص الذي يُقال في الخطب، بل الإخلاص الذي يظهر في التفاصيل الصغيرة في السؤال، في القلق، في الاهتمام..الحب تضحية.. ليس التضحية الكبيرة التي تُكتب في الروايات، بل تلك التي تحدث دون أن ينتبه أحد أن تتنازل، أن تصبر، أن تفهم.
ولأن الشعر هو المكان الذي يذهب إليه القلب حين تضيق به اللغة، كان الشعراء دائماً أقرب الناس إلى هذا السر.. الشاعر الراحل (نزار قباني) الذي جعل من الحب وطناً كتب مرة:
الحب يا حبيبتي
قصيدةٌ جميلةٌ مكتوبةٌ على القمر.
نزار كان يرى الحب في كل شيء..في المطر، في الشجر، في العيون، في التفاصيل التي لا يراها أحد..كان يعرف أن الحب ليس فكرة، بل حياة كاملة.
أما الأمير الشاعر (بدر بن عبدالمحسن) فكان للحب في شعره نبرة أخرى..نبرة تشبه الليل حين يمر على قلب متعب يقول:
يا حبي اللي ما عرفته
غير يوم إنه حضر.
هذه الجملة وحدها تكفي لتفهم أن الحب ليس شيئاً نخطط له..يأتي فجأة، ويغيّر كل شيء.
ورغم كل ما يقال عن أن الزمن تغيّر، وأن الناس لم يعودوا كما كانوا إلا أنني أرى أن الحب الحقيقي لا يتأثر بهذه الأشياء..قد يتعب نعم..قد يختبئ نعم..لكنه لا يموت..لأن الحب ليس جزءاً من (موضة) العصر بل جزء من تكوين الإنسان نفسه.
كل واحد منا يحمل قصة حب في داخله، حتى لو لم يقلها..قصة بدأت ولم تكتمل، أو اكتملت ولم تستمر، أو ما زالت تنتظر لحظة مناسبة لتولد. لكن وجود هذه القصة وحده دليل على أن الحب
لايغادرنا..ربما يتعب، لكنه لا يرحل.
يقول الكاتب والمدون (فهد الحربي) عن الحب:
إنه ليس شيئاً يمكن أن نضعه في تعريف واحد، ولا يمكن أن نختصره في جملة..الحب ليس
مانقوله بل ما نشعر به حين نصمت..وليس
مانعد به بل ما نفعله دون أن ننتبه..الحب الحقيقي لا يموت لأنه لا يعيش في الذاكرة بل يعيش في الروح..والروح لاتعرف الفناء.