إلى متى نقتل البراءة ؟
إلى متى نقتل البراءة ؟
بينما كنت أجلس في فناء المنزل في صباح لطيف، والهواء يتحرك بخفة كأنه يربّت على كتفي، هبط طائر صغير على طرف الطاولة أمامي.
لم أكن أتوقع ضيفاً في هذا الوقت، لكن هذا الكائن جاء بثقة غريبة، وكأنه يعرف أنني لن أؤذيه. وقف بثبات يثير الدهشة، ثم أخذ يقترب خطوة بعد خطوة، كأن بيني وبينه عهداً قديماً نسيته الأيام.
راقبته وهو يميل برأسه نحو قطعة خبز صغيرة، يلتقطها بمنقاره الصغير وكأنه يتذوق الحياة نفسها..لم أشعر بالخوف عليه، بل شعرت بالخوف منه..خوف أن يكتشف أننا نحن البشر لم نكن دائماً أهلاً لهذه الثقة.
كم طائراً مثله سقط ضحية رصاصة عابثة؟
كم جناحاً كُسر بلا سبب؟
كم حياة انتهت لأن أحدهم أراد أن يملأ فراغ يومه بصيد لا معنى له؟
كان يأكل بطمأنينة طفل وأنا أراقبه وكأنني أرى درساً صغيراً في الإنسانية..لحظة بسيطة لكنها كانت كافية لتوقظ في داخلي أسئلة كثيرة.
لماذا كانت الطيور تهرب منّا؟
لماذا كانت تخشى أن تقترب؟
لماذا كنا نعاملها كأنها شيء زائد عن الحياة
لاجزءاً منها؟
وحين طار الطائر بعد دقائق، ترك خلفه أثراً
لايُرى لكنه يُحس..ترك في داخلي رغبة في أن أرى هذا المشهد يتكرر، لا أن يكون استثناءً. وشيئاً فشيئاً بدأت أرى أن هذا الحلم لم يعد بعيداً كما كان.
ففي مملكتنا الحبيبة اليوم تغيّرت الصورة.. الأنظمة الجديدة التي وُضعت لحماية الحياة الفطرية أعادت للطبيعة حقها، وللطيور سماءها..لم يعد الصيد الجائر (هواية) ولم تعد الفخاخ تُنصب بلا رقيب، ولم يعد قتل طائر صغير أمراً يمرّ بلا حساب..الجهود المبذولة ليست شكلية، بل حقيقية، تُرى في المحميات، وفي الرقابة، وفي وعي الناس الذي بدأ يكبر يوماً بعد يوم.
صرنا نرى الطيور تعود إلى مسارات هجرتها، ونسمع أصواتها في الصباح كما لو أنها تستعيد ثقتها بنا..وكأن الطبيعة تقول لنا:
لقد تأخرتم لكنكم عدتم في الوقت المناسب..وهذا التغيير ليس بسيطاً..إنه بداية علاقة جديدة بين الإنسان وما حوله.
الطيور ليست مجرد كائنات تطير فوق رؤوسنا. هي نبض المكان، وروحه، وميزان الحياة فيه..وجودها يعني أن الأرض ما زالت بخير، وأننا نسير في الطريق الصحيح..وما أجمل أن نرى هذا التحول يحدث في بلادنا، وأن نشهد عودة الأصوات التي غابت طويلاً عن بعض الأماكن.
إلى متى نقتل البراءة؟
سؤال يجب أن يبقى حياً في ضمير كل واحد منا، حتى لا نعود إلى زمنٍ كانت فيه الطيور تخاف منّا أكثر مما تخاف من السماء.