هل تعرفون المهندس حسن فتحي ؟
هل تعرفون المهندس حسن فتحي ؟
ذهبت إلى مصر في أغسطس 2020 وكان الجو خانقاً لدرجة أنني شعرت أن الهواء نفسه يحتاج إلى مروحة..وصلت الأقصر بعد رحلة قطار طويلة من القاهرة، رحلة لم أنوِ القيام بها أصلاً، لكن أحد العاملين في الفندق قال لي إنني إذا كنت مهتماً بالعمارة والتراث فعليّ أن أرى (القرنة بتاعة حسن فتحي)
لم أكن أعرف أن الرجل ترك أثراً بهذا الحجم هناك.
استأجرت سيارة صغيرة من شاب اسمه (مدحت) كان يقود بسرعة غريبة في طرق ضيقة، وكل دقيقة يلتفت ليقول:
(هتشوف حاجة مختلفة والله)
وصلنا إلى القرنة القديمة حوالي الساعة الثالثة والنصف..الشمس كانت تضرب الجدران بقوة، لكن الغريب أن البيوت الطينية كانت أبرد من الهواء نفسه..لم أفهم السبب إلا لاحقاً.
أول بيت دخلته كان شبه مهجور، لكن الباب الخشبي ما زال ثابتاً..لم يكن هناك شيء (سياحي) في المكان لا لوحات ولا شروحات فقط بيوت صامتة..لمست الجدار بيدي، وكان بارداً بشكل غير منطقي..جاء رجل مسن ربما في السبعين وسألني إن كنت أبحث عن (بيوت حسن) قلت نعم فابتسم وقال إنه رآه مرة في الثمانينات، وإنه كان يمشي دائماً ومعه دفتر صغير..لم يكن الرجل يتحدث كمن يروي قصة محفوظة، بل كمن يتذكر شيئاً عادياً من حياته.
مشيت بعدها وحدي..لاحظت أن بعض الجدران ليست متساوية، وأن الطين في بعض الأماكن أغمق من غيره، وكأن العمال لم يستخدموا الخليط نفسه في كل يوم..هذه التفاصيل الصغيرة جعلتني أشعر أن المكان (مصنوع باليد)
لا بالآلات..وهذا ما لم أفهمه من قبل عن (حسن فتحي)
في المساء عدت إلى الفندق وبدأت أبحث عن حياته..عرفت أنه وُلد عام 1900، وتوفي في 30 نوفمبر 1989 بسبب سرطان الدم..أكثر
ماشدّني أنه عاش آخر سنواته وحيداً تقريباً، بلا زوجة ولا أبناء وأن قططه الثلاث كانت أقرب مخلوقات له..لا أعرف لماذا أثرت فيّ هذه المعلومة أكثر من غيرها ربما لأنها لا تشبه صورة (المعماري العظيم) التي نتخيلها عادة.
عندما عدت إلى القرنة في اليوم التالي لالتقاط بعض الصور لاحظت شيئاً لم أنتبه له في اليوم الأول..الأطفال يلعبون في الظل الذي تصنعه القباب..لم يكونوا يهتمون بمن بناها
ولا بتاريخها، لكنهم يستخدمونها كما أراد الرجل تماماً كجزء من حياتهم اليومية.
لم أشعر أنني رأيت (مشروعاً معمارياً) بل رأيت محاولة صادقة لجعل الحياة أبسط وأرحم..وهذا مابقي معي بعد العودة أكثر من أي شيء آخر.