الحب الأعمى
الحب الأعمى
لم أكن أتوقع أن ستة أيام فقط يمكن أن تغيّر شكل العالم من حولي..كنت أظن أن الأمر مجرد عادة، مجرد قرار صغير يمكن أن يُنفّذ بقليل من الإرادة وكثير من العناد..لكن الحقيقة أنني منذ اللحظة الأولى شعرت كأنني دخلت معركة لا أعرف فيها عدوي جيداً، ولا أعرف من أين سيأتي الهجوم التالي.
رأسي كان يثقل شيئاً فشيئاً، كأن أحدهم يسكب الرمل داخل جمجمتي، حتى صارت الأفكار تتحرك ببطء، تتعثر، تتساقط قبل أن تكتمل.
كنت أجلس أمام الطاولة محاولاً أن أكتب، أن أبدو طبيعياً، أن أمارس حياتي كما لو أن شيئاً لم يتغير..لكن يدي كانت ترتجف بخفة، وعينيّ ترفضان البقاء مفتوحتين، وكأنهما تتآمران عليّ. كلما حاولت التركيز، شعرت بأنني أغوص في ضباب كثيف، ضباب لا يسمح لي برؤية شيء سوى رغبة واحدة..رغبة أعرف أنها قاتلة، لكنها رغم ذلك تلمع في داخلي كأنها النجاة الوحيدة.
كنت أقول لنفسي إنني أقوى من هذا..إنني رجل يستطيع أن يقف أمام رغباته، أن يواجه ضعفه، أن يثبت لنفسه قبل الآخرين أنه قادر على التحرر..لكن الحقيقة أنني كنت أرتجف من الداخل..كنت أقاوم نعم، لكن المقاومة كانت تستهلكني، تلتهم أعصابي، تسرق مني هدوئي، وتترك مكانه توتراً يشبه صوت صفارة إنذار
لاتتوقف.
في اليوم الثالث بدأت أشعر بأن العالم صار بلا ألوان..الطعام بلا طعم، النوم بلا راحة، والنهار بلا معنى..كنت أتحرك كأنني محشوّ بالقطن، ثقيل، بطيء، عاجز عن الشعور بأي شيء سوى الفراغ..كنت أظن أن الفراق سيصلحني، لكنه كان ينهشني من الداخل..كنت أظن أنني سأتنفس بحرية، لكن صدري كان يضيق أكثر كلما حاولت أن أبدو قوياً.
وفي اليوم الخامس بدأت أسمعها..ليست صوتاً حقيقياً، بل همساً خفيفاً، كأنها تقف خلفي وتضع يدها على كتفي وتقول:
(تعال..لن يؤذيك شيء..أنت تعرفني وأنا أعرفك)
كنت أطرد الفكرة، أهرب منها، أدفنها تحت أي انشغال، لكن الليل كان يعيدها إليّ، يضعها أمامي كمرآة لا يمكن تجاهلها.
وفي اليوم السادس..اليوم الذي ظننته سيكون انتصاري..كان انهياري.
كنت جالساً وحدي، أراقب عقارب الساعة تتحرك ببطء قاتل..رأسي يثقل، عينيّ تحترقان، وقلبي يخفق كأنني أركض وأنا ثابت في مكاني..حاولت أن أتمسك بأي شيء، بأي ذرة قوة، لكن كل شيء في داخلي كان ينهار، يتشقق، يتفتت.
وبعد كل هذه الأيام وهذا الصبر ذهبت إلى أقرب محل لأشتري ما كنت أهرب منه..لم أذهب بل اندفعت..شعرت أن الأرض نفسها تدفعني، أن قدميّ تتحركان من تلقاء نفسيهما، كأن القرار لم يعد قراري..وصلت إلى الرفّ الذي أعرفه جيداً، الرف الذي يحمل تلك العلبة الصغيرة التي تشبه صندوقاً من اللعنات المغلفة بورق أنيق.
مددت يدي..ولم أتردد..كأنني أستعيد شيئاً ضاع مني، شيئاً كنت أتنفسه أكثر مما أتنفس الهواء. خرجت من المحل وأنا أشعر بثقل غريب، ثقل يشبه الاعتراف بالهزيمة، لكنه في الوقت نفسه يحمل راحة خبيثة، راحة لايمكن تفسيرها إلا بأنها استسلام كامل.
أشعلت السيجارة الأولى وشعرت أن الضباب ينقشع، أن رأسي يخفّ، أن العالم يعود إلى مكانه..لكن مع كل نفس كان هناك وخز صغير في صدري، كأن جسدي يذكّرني بأنني عدت إلى قاتلتي، إلى تلك الحسناء التي أعرف أنها ستأخذ مني أكثر مما تعطيني.
ورغم ذلك..لم أطفئها.
ورغم ذلك..لم أندم.
ورغم ذلك..ما زلت أتنفس دخانها كأنني أتنفس حياتي نفسها.