التأثير لأول شخص تلتقيه بحياتك
التأثير لأول شخص تلتقيه بحياتك

التأثير لأول شخص تلتقيه بحياتك
هناك إنسان نلتقيه لأول مرة فنشعر معه بالراحة بل نشعر أننا نعرفه من قبل ونتمنى أن نراه كل يوم وهناك إنسان نلتقيه لأول مرة أيـضـاً فينـتـابنا النفور منه
ولانرغب فـي رؤيتـه مرة أخرى أو هو لايترك فينا أثراً ولا يهمنا إذا حـضر، ولايضايقنـا إذا غاب فكما تـحدث الألفـة يتوالد النفور هذا هو مايطلق عليه علماء النفس اسم التأثير الأول فما هي حقيقة هذا التأثير؟تقول الدكتوره النفسية واخصائية التربية الفرنسية (جاكلين لينو) :
التأثير لأول شخص تلتقيه بحياتك
إن الأبحاث العلميـة والدراسـات فـي مجـال علـم النفس أثبتت أن 70% من مستقبل أي علاقة إنسانيـة أو عاطفيـة يتحدد من هذا الإنـطبـاع الأول فالإنسـان غالبـاً مايقاوم أي سمات جديدة تتنافى أو تتعارض مع انطباعه الأول..إنه عادة يتشبث بالرأي الذي كونه عن الطرف الآخر في لقائهما الأول ونادراً ما تأتي اللقاءات التاليـة لتـلغـي هـذا الإنطباع وكما ينطبق هـذا علـى عـلاقـة الرجل بالرجل أو المرأة بالمرأة فإنه بالقطع ينطبـق علـى علاقـة المرأة بالرجل.
ثم تضيف:
ومن المـهم جداً أن نفرق هنا بين الإبصار والإدراك فالإبصار يعني تلقي الصورة فتتم عملية الرؤيـة أمـا الإدراك فهو معنى ما نراه..أي المعاني التي ترتبط بالإنسان الذي نلتقي بـه فـصـورة أي إنـســان نـلـقـاه تـتـحــول إلـى عـدة معـان نتعامل معها بـأفـكـارنـا وعـواطـفـنـا وهـذا هـو الـشـيء الـذي لايــعرفــه كـثـيـر مـن الـنــاس.
إن الـصـــورة الـتــي نـراهــا بـأعـيـنــنــا لا قـيـمــة لـهـا ولـكـن المعانـي المرتبـطـة بـالإنسان صـاحب الـصــورة هــي الــتــي تـكــون الأســاس فــي عــلاقــتـنـا بــه.
فإذا شعرت بالإرتيـاح وأنـت تتحـدث مـع هذا الإنسان فإن هذا الإرتياح إما أن يكون ارتياحـاً عقلياً وذهنياً أو ارتياحاً وجدانياً.. لقـد استطـاع هـذا الإنسـان أن يثيـر خلايـا التفكير وخلايـا الوجـدان في مخك أو أثارها كلاهما فشعرت بالمتعة والمتعة تجلب الإحسـاس بالراحـة وتلك قمة الإتصال الإنسانـي الذي يولـد التناغم حتى إنك ربما تـقـول (وكأنـني أعرف هذا الإنسـان منـذ زمن طويل) وإذا لم تشعر بالإرتيـاح فقـد تـشعـر بنـوع آخـر من الأحاسيس وهي التعاطف أو عـدم الحمـاس وحتـى الكراهيـة والنفور.
والتعاطف هو نوع آخر من الآحاسيس وكأنك تقول لنفسك عندما تقابل شخصاً لأول مرة وتستمـع لـه لو احتاجنـي هـذا الإنسـان فـي شيء فإنني لن أتردد في مساعدتـه لمـاذا؟
لأنـه حـرك الذات الأبوية بداخلك عندما تحدث إليـك مـن ذات الطفولـة عنـده وهـذا التعاطف لايمكن أن تحسـه إلا تجـاه الطفل الذي لايملـك حولاً ولا قوة فيلجـأ إليك لمساعدتـه.. لقد انتزع منـك عطـف الأبـوة تجاهـه ولـذا يـستـمر الحديـث بينكما ودوداً وحنوناً.
وقد ينتابك وأنت تتحدث لأول مـرة مـع إنسـان بـعدم الإهتمـام له ولما يقوله فهـو لـم يستطع أن يجتذب حماسـك لشخصه أو لحديثه كما أنـه لـم يثـر ضيقك أيضـاً وسـواء استـمـر الحـوار أو اللقاء أو انتهى فهو لايهمك في الحالتين.. لن يهمك إذا توقف أو غادر صاحبه ولن يضايقـك كثيـراً إذا استمر صاحبـه في الحديـث أو حتـى الجلـوس صـامـتــاً فـأنــت فــي الـحـالـتـيــن تـقــوم بـعـمـلـك أو تـفـكــر فـي أشــيـاء أخــرى.
لمـاذا؟
لأنـه اختـار الوقـت غيـر المنـاسب والذات غير الملائمة ليحدثك من خلالها وربمـا لــو تـم ذلـك فـي وقــت آخـر مـلائـم وبـأسلـوب آخـر لاقتـنـعـت به وأعطـيته اهتمامك..لهذا فلم تشعر بالضيق منه ولكنك أيضاً لم تتعاطف مـعه ولم تكون متجاوباً معه.
وهنـاك إنسـان آخـر تقابلـه أو تتـحدث معه لأول مرة فلا تلبث بعد 5 دقائـق فقـط أن تشعر بالنفور منه أو رفضه أو القرف منـه وتتمنـى أن يأتـي مـن ينقذك من مواصلة الجلوس أو الحديث معه.. وربما تستأذن معتذراً بأي حجة لتنهي لقـاءه بـك أو لقاءك به.
لماذا؟
لأنك ربـما لـمحـت فيـه نوعاً من الغرور الزائف أو العنجهية التي تكرهها.. ربما كان يتحدث بطريقة غير لائـقة..ربمـا كان ينتقدك بطريقة غير مباشرة أو كان يتحـدث بأسلوب وكلام وهو يعني شيئاً آخر بإيـمـاءاتـه ونـبـرات صوتـه وتعبـيـرات وجهه ومما لاشك فيه أن إحساساً بالنفور ينتابنا جميعاً حين نتحدث إلى هذه النوعية من الناس حينمـا تـشعـر بـعدم صدقهـم أو عـدم أمانتهم والتوائهم وكلها في الحقيقة مشاعر تثير القرف!!
ويضيـف علماء النفس أسباباً أخرى للنفور أو السلبية تجـاه إنـسـان لانـعرفـه ونـراه لأول مرة مع أنـه لـم يتسبـب فـي أذيتنـا ولم نر منه بعد ما نكرهه من أجله ومن هذه الأسباب:
إن رؤيتنا لهذا الشخص قد أثارت في نـفوسـنـا ذكـريات حدثت نكرهه ولانرغب في تذكره أو هو يذكرنا (هذا الذي التقيناه) بصفة مقيتـة في نفوسنا أقلعنا عنها أو بعادة يمارسها ونستهجنها ولا نقبلها كالنفاق مثلاً أو كانت رؤيتـه تذكرنا بمحنة تجاوزناها سواء كانت هذه المحنة تتعلق بالعمل أو الدراسة أو العاطفة أو العلاقات الاجتماعية.
أن يـكـون هذا الشخص الذي نلتقيه لأول مرة مصدر تهديد لنا في عملنا أو مستقبلنـا أو أنه سيـعرضنـا لمنافسـة أو مقارنة نحن في غنى عنها وذلك لأننا نبغض دائماً كل ما يشوه الصورة البراقة التي رسمناها لأنفسنا عن أنفسنا.. كأن يشعرنا هذا الشخص بأننا أضعف أو أغبى أو أقل كفاءة مـمـا نـتـصور وكثيـراً ما تـشعر المرأة بالكراهية نحو جارة جديدة لها.. لا لشيء إلا لأن هذه الجارة من الطراز الرشيق طويـل القامة الـذي يـحبـه زوجهـا فـي حيـن أنهـا مـن طـراز مختـلف فهـي أثقل وزناً وأقرب إلى الأرض طولاً أو العكس ربما!
أن يذكرنا هذا الذي التقيناه وأحسسنا تجاهه بالكراهية أو النفور بشخص أو أشخاص أساءوا إلينا بالفعل أو تسببو في أذى مباشر أو غير مباشر لنا فتظل الذاكرة تخـتـزن صـورة هـذا الإنسـان فـإذا التقينـا شخصاً يشاركه في صفة بارزة من صفاته كنـغمـة الصوت أو تشابه الملامح أو الإيماءات أو طريقـة المشـي.. إلـخ فسرعـان ما تنبعث الصـورة القديمة من ( الأرشيف العقلي للذاكرة ) لتصل إلى الوعي الذي يقوم بتنبيـه الشعور والغدد لإثـارة النـفور أو الكراهيـة أو السلبيـة تجاه هذا الشخص والذي يشبه الشخص المؤذي القابع في أرشيف الذاكرة.
التأثير الأول قد يستهدف أمور ظاهرية ولكن بعض علماء النفس الآخرين يرون أننا نظلم الآخرين كما نظلم أنفسنا إذا تركنا التأثيـر الأول يقودنـا للحكم على الأشخـاص فمـن الممكن أن تكون في هذه اللحظة التي التقيت فيها إنساناً وأصدرت حكمك عليـه فوراً أن تكون معتل المزاج مثلاً أو مريضاً أو تشعر ببوادر المرض أو تعاني من مشكلة طارئة.. إلخ.
قـال أحد الأصدقاء لصديقه:
هل تتذكر (فلان) الذي قلـت لـك عنـه إنـه مغـرور ومنفـوخ ع الفاضـي ( لقـد إتضـح لـي بعد إحتكاكـي بـه عـن قـرب أنه خجول جداً وطيـب جـداً ومتواضع جداً!! وأن خجله هو الذي جعله يميل إلى العزلة فـلا يشتـرك في نقاش إلا مع من يـعرفهم وتربطهم به صلة قديمة سابقة.
إن هذا يعني أننا إذا كنا أمام إنسان غريب يقدم لنا لأول مرة لاينبغي ان نصدر عليه حكماً قاطعاً إلا بعد أن نتعرف عليه تماماً فلا نـقول مثـلاً (هذا الرجل يبدو قاسيـاً متزمتـاً) ذلـك أن ما بـدا علـى وجـهـه مـن جمـود ربمـا كـان مـن طبيعـة منطويـة خجولة بعيدة كل البعد عن القـسوة..وهكذا تـرى أن الحـكم علـى الشخصية بدافع التأثير الأول لا يـنـصـب على جوهر الشخصية ولكنه كثيراً ما يستهدف أموراً سطحيـة ويقـوم على أسس مظهرية لا يـمكـن أن تـعتــبــر مقيـاسـاً حقـيـقـيـاً فـي الحـكـم عـلـى الأشـيـاء أو الأشـخـاص.
التأثير لأول شخص تلتقيه بحياتك هنا قد يبدو في نظرك منفراً أو مكروهاً قد يبدو عند آخر رائعاً ومثالياً فأحكام الناس تختلف باختلاف شخصياتهم وليس لأن البعض يتميز بحاسة
لاتخطئ أو أن بداخلهم (راداراً) يـكــشـــف مـــاخــفــي مــن حـقــائــق عــن الآخـــريـــن وطـبـــاعـهــم.
لماذا؟
لأن الناس مختلفون بطبيعتهم وبحكم النشـأة والوراثـة والبيئـة ومستوى الثقافة ونـوعهـا ولانستطيـع أن ننكـر الـدور الـذي يمكـن أن تلعبه خبراتنـا السابقـة فــي عواطفنا وتصرفاتنا فنحن لانختلف من حيث ماضي كل منا فقط ولكننا نختلف حتى بالنسبة للحاضـر أيضـاً.
فأحتياجاتنـا متباينـة ومخاوفنـا مختلفـة ومصالحنـا قـد تبدو متعارضـة مما يجعلنا نصدر أحكاماً على الناس من أول مرة تحت تأثيـر ظروف أو إنفعالات معينة ولكننا لا نكاد نعود إلى حالتنا الطبيعية حتى نكتشف خطأ الحكم الذي أصدرناه وهذا يدل على توازن الشخصية ومرونة التفكير ولكننا أيضاً لانستطيع أن نغير التأثير الأول بـمجرد الإرادة.
ولكـن بـمراجعـة النـفس ومناقشتهـا فلو أننا حكمنا علـى كـل مـن نلتقيـه بالحماقـة أو القسـوة أو التفاهـة أو الغرور أو بثقـل الدم فليـست الإنسانية هي المعيبـة ولكـن العيـب قد يكـون فينـا نحـن وقـد يـصدق حكمـك بتأثـيـر الإنطباع الأول علـى الجمـاد أو الأشيـاء من حولـك
أما العلاقات البشرية فشيء آخر أكثر تعقيداً.
مدونة فهد الحربي : التأثير لأول شخص تلتقيه بحياتك