خيانة الاسرار
خيانة الاسرار
لا أعرف لماذا يختار الإنسان لحظة بعينها ليبوح بما ظل يخفيه سنوات..لحظة لا تكون بالضرورة لحظة ضعف، ولا لحظة قوة، بل شيء بينهما.. شيء يشبه انزلاق القدم على أرض مبللة..لاتخطط له، ولا تنتبه إليه إلا بعد أن تقع..هكذا يخرج السرّ بلا مقدمة، بلا تفكير، بلا أن تسأل نفسك إن كان هذا الشخص يستحق أن يعرف ما ظللت تخبئه عن أقرب الناس إليك.
أحياناً أظن أن السرّ لا يخرج لأننا نثق بالآخر، بل لأننا نتعب من الدوران حول أنفسنا..نتعب من حمل شيء لا نعرف أين نضعه..فنرميه في حضن أول قلب يبدو لنا هادئاً..ثم نكتشف لاحقاً أن الهدوء لا يعني الأمان، وأن بعض القلوب تشبه الأبواب التي تُفتح بسهولة وتُغلق بسهولة، ولا تحفظ شيئاً.
أذكر مرة أنني قلت سراً صغيراً، لا قيمة له في الظاهر، لكنه كان يخصّني..قلتُه لشخص ظننت أنه الأقرب إليّ في تلك الفترة..لم يكن السرّ خطيراً، لكنه كان جزءاً منّي، من صورة لا أُظهرها عادة..وبعد أيام قليلة، سمعته يتردد في فم شخص آخر..لم أغضب منه بقدر ما غضبت من نفسي..شعرت كأنني سلّمت جزءاً من جلدي لشخص لا يعرف كيف يمسك الأشياء دون أن يمزقها.
منذ ذلك اليوم، فهمت أن خيانة السرّ لا تبدأ حين يفشيه الآخر، بل حين نقرّر نحن أن نخرجه من مكانه..السرّ مثل نبات بريّ ينمو في زاوية مظلمة من القلب..إذا اقتلعته، يموت وإذا تركته، يبقى حيّاً، لكنه لا يؤذيك..المشكلة أننا نقتلع أسرارنا بأيدينا، ثم نلوم من لم يعرف كيف يعيدها إلى مكانها.
الناس ليسوا سواء..هناك من يسمعك لأنه يحبك، وهناك من يسمعك لأنه فضولي، وهناك من يسمعك لأنه لا يجد ما يقوله..وهناك من يسمعك ثم ينسى، ومن يسمعك ثم يروي، ومن يسمعك ثم يستخدم ما قلته ضدك في أول خلاف ومع ذلك، نصرّ على أن نمنح أسرارنا لمن لا نعرفهم جيداً، فقط لأننا احتجنا في تلك اللحظة إلى أن نشعر بأننا مفهومون.
السرّ ليس دائماً شيئاً مخجلاً..أحياناً يكون ذكرى، أو خوفاً قديماً، أو رغبة لم نعرف كيف نتعامل معها..لكنه يظلّ شيئاً يخصّنا..شيئاً لا نريد أن يلمسه أحد..حين نكشفه، نشعر بأننا فقدنا طبقة من جلدنا، وأن الهواء صار أقسى مما كان. الإنسان الذي يبوح كثيراً يصبح مكشوفاً، بلا ظلّ، بلا عمق..كأنه صفحة تُقرأ من أول نظرة.
ومع ذلك لا أقول إن الصمت هو الحل دائماً..هناك أسرار تحتاج إلى أن تُقال كي لا تخنق صاحبها. لكن البوح ليس بالضرورة أن يكون لشخص. يمكن أن يكون لورقة تُطوى وتُخبأ في درج، أو لصوت داخلي يسمع ولا يكرر أو لله سبحانه وتعالى وهو الأعلم بما نخفي..المهم ألا نضع أسرارنا في يد من لا يعرف قيمتها.
أجمل ما يحتفظ به الإنسان هو ذلك الجزء الذي لا يعرفه أحد..الجزء الذي لا يُقال، ولا يُشرح، ولا يُفسَّر..ذلك الجزء هو ما يمنحنا توازناً، وما يجعلنا نقف أمام أنفسنا دون أن نشعر بأننا عراة. السرّ الذي يبقى في الداخل لا يثقل صاحبه، بل يحميه..يمنحه شيئاً يشبه الهيبة، يشبه العمق، يشبه القدرة على أن يكون له عالمه الخاص.
وإذا اضطررت يوماً إلى أن تبوح، فاختر من لايفرح بأنه عرف عنك ما لم يعرفه غيره..اختر من يفهم أن السرّ ليس خبراً، بل قطعة من روحك خرجت من مكانها، وتحتاج إلى يد تعرف كيف تعيدها دون أن تكسرها.