ثقافة التعارف بين الزوجين
ثقافة التعارف بين الزوجين
أحياناً يبدأ الزواج وكأن كل واحد منهما يحمل حقيبة مغلقة لا يعرف الآخر ما بداخلها..حقيبة مليئة بعادات قديمة، وردود فعل تشكّلت عبر السنين، وطريقة خاصة في الحب لاتشبه طريقة الآخر.
وفي الأيام الأولى، يظن كل طرف أن الحقيبة ستُفتح وحدها، وأن ما بداخلها سيتوافق تلقائياً مع ما يحمله هو..لكن الحقيقة أن التعارف الحقيقي لايحدث في ليلة ولا في شهر، بل في تلك اللحظات الصغيرة التي يكتشف فيها كل طرف أن الآخر ليس كما تخيّله، وأن عليه أن يتعلم لغته من جديد.
أعرف زوجين كانا يختلفان على أبسط الأشياء.. طريقة ترتيب البيت، نبرة الصوت عند الحديث، حتى طريقة قول (صباح الخير) كانت الزوجة تظن أن صمته في الصباح علامة ضيق، بينما هو كان يرى أن الكلام الكثير قبل القهوة نوع من الإزعاج..لم يكن أحدهما مخطئاً، فقط لم يعرفا بعد كيف يقتربان من بعضهما دون أن يجرحا ما اعتاداه طوال حياتهما.
وهذا ما يحدث غالباً..كل واحد يدخل الزواج وهو محمّل بفكرة معينة عن الحب..أحدهما يرى أن الحب يعني الكلام، والآخر يراه في الفعل..أحدهما يريد أن يسمع، والآخر يريد أن يُترك قليلاً ليجمع نفسه..وبين هذين الأسلوبين، تتولد سوء الفهم الذي يكبر إذا لم يُفهم في بدايته.
المشكلة ليست في الاختلاف، بل في محاولة كل طرف أن يجعل الآخر يشبهه..كأن الزوجة تقول في داخلها:
(لو أحبني حقاً سيتغير)
وكأن الزوج يرد في نفسه:
(لو فهمتني جيداً لما طلبت مني أن أكون شخصاً آخر)
وهكذا يبدأ كل واحد منهما في شدّ الحبل إلى جهته، حتى يتعب الحبل، ويتعبان معه.
أذكر رجلاً قال مرة إنه لا يعرف كيف يتعامل مع دموع زوجته..كان يظن أنها تبالغ، بينما هي كانت تبكي لأنها تشعر أنه لا يراها..لم تكن تريد منه حلولاً، فقط أن يجلس قربها، أن يضع يده على كتفها، أن يشعر بها..لكنه تربّى على فكرة أن الرجل يجب أن يكون ثابتاً..وأن العاطفة تُربك الموقف..لم يكن قاسياً، فقط لم يتعلم بعد كيف يقرأ مشاعرها.
وفي المقابل، أعرف امرأة كانت تظن أن زوجها لا يهتم لأنها لا تسمع منه كلمات الغزل..كانت تجهل أنه يعبّر بطريقة مختلفة..ينهض قبلها ليعدّ لها الفطور، يصلح الأشياء المعطلة في البيت دون أن يُطلب منه، يترك لها آخر قطعة من الحلوى..لم تكن ترى هذه التفاصيل لأنها كانت تبحث عن شيء آخر، شيء اعتادت عليه في بيت أهلها أو في قصص الحب التي سمعتها.
التعارف بين الزوجين ليس مجرد معرفة الاسم والعمر والهوايات..هو أن يفهم كل طرف ما الذي يزعج الآخر دون أن يقول وما الذي يفرحه دون أن يطلب..هو أن يدرك أن الشريك ليس نسخة منه، وأن الحب لا ينجح حين نحاول صقل الآخر ليشبهنا، بل حين نترك له مساحة ليكون نفسه..ومع الوقت، حين يتوقف كل طرف عن محاولة تغيير الآخر، يبدأ شيء جميل في الظهور..يبدأ كل واحد يكتشف أن اختلاف الآخر ليس تهديداً، بل إضافة..وأن ما كان يراه عيباً قد يصبح جزءاً محبباً لأنه يميّز الشريك عن غيره..وأن البيت لايحتاج إلى شخصين متشابهين، بل إلى شخصين يعرف كل منهما كيف يكمّل الآخر دون أن يلغيه..هذا هو جوهر التعارف الحقيقي..أن نرى الإنسان كما هو لا كما نتمنى أن يكون.