الكلمة الطيبة ولحن الحياة

الكلمة الطيبة ولحن الحياة

في كل يوم نمر به، نترك خلفنا شيئاً لا نراه، ونلتقط من الآخرين ما لا ينتبهون هم إليه.
الحياة ليست سلسلة من الأحداث الكبيرة كما نحب أن نتخيل، بل هي تلك التفاصيل الصغيرة التي تتسلل إلى القلب دون أن تستأذن، وتبقى فيه كأنها توقيع خفيف على صفحة الروح..قد تكون كلمة، أو نظرة، أو موقفاً عابراً لا يتجاوز دقائق، لكنه يظل حاضراً في الذاكرة كأنه حدث بالأمس.
لطالما آمنت بأن الكلمة الطيبة ليست مجرد صوت، بل فعل حياة..ربما لأنني رأيت كثيراً كيف تتبدل ملامح إنسان حين يسمع كلمة تشجعه، أو حين يشعر أن أحداً ما يراه حقاً ومع ذلك تظل بعض المواقف تذكّرنا بما نعرفه أصلاً وتعيد ترتيب قناعاتنا بطريقة لا نتوقعها.
أذكر موقفاً حدث لي قبل فترة قصيرة وما زال يرافقني كأنه مشهد مكتوب بعناية..عند هبوط طائرتنا في الرياض قادمة من المدينة المنورة كان الركاب يستعدون للنزول وكلٌّ مشغول بحقيبته أو (جواله) أو استعجاله..لفتت نظري سيدة كبيرة في السن تحاول أن تُنزل حقيبتها من الرف العلوي..كانت تتلمّس الحافة بيد مرتجفة، وكأنها تخشى أن تخونها قوتها..تقدّمت نحوها وقلت لها: (خليني أساعدك لو سمحتي)
وما إن أمسكت بالحقيبة حتى قالت بصوت خافت، فيه شيء من التعب الذي لا علاقة له بالسن وحده:
(خلاص..أنا كبرت وتعبت)
كانت كلماتها أثقل من الحقيبة نفسها..شعرت أنها لا تتحدث عن لحظة، بل عن عمر كامل..قلت لها دون تفكير وبصدق خرج كما هو:
(أبداً..أنت بصحة وعافية وما يبان عليك العمر الكبير والتعب ما يختار سن كلنا نتعب)
رفعت رأسها نحوي وكأن شيئاً انزاح عن صدرها..تغيّرت ملامحها فجأة وارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة ثم دعت لي بحرارة، وسألتني:
(انت؟..من وين يا ولدي؟)
كان سؤالها بسيطاً لكنه حمل دفئاً لا يشبه دفء الغرباء..لحظة قصيرة، لكنها كانت كافية لتعيد إلى وجهها نوراً خافتاً وإلى صوتها شيئاً من القوة..لم يكن ما قلته معجزة لكنه كان صادقاً وهذا وحده كان كافياً.
منذ ذلك الموقف وأنا أتأمل كيف يمكن لكلمة واحدة أن تغيّر شعور إنسان تجاه نفسه..كيف يمكن لجملة بسيطة أن تمسح تعباً تراكم عبر سنوات، أو أن تعيد لروحٍ منهكة شيئاً من خفتها.. نحن لا نحتاج إلى الكثير لنشعر أننا بخير..نحتاج فقط إلى من يلتفت إلينا، إلى من يقول لنا إننا مازلنا قادرين، وإن العمر ليس عبئاً وإن التعب ليس علامة ضعف.
الحياة في حقيقتها ليست تلك اللحظات التي ننتظرها لنشعر بالسعادة..الحياة في التفاصيل الصغيرة..في كلمة تُقال في وقتها..في يد تُمدّ قبل أن تُطلب..في ابتسامة تُهدى دون سبب..نحن نعيش على هذه اللمسات الخفيفة..على تلك الإشارات التي تقول لنا إن الخير ما زال موجوداً وإن الإنسان ما زال قادراً على أن يضيء طريق غيره ولو بكلمة واحدة.
الكلمة الطيبة تُعيد ترتيب الفوضى في الداخل، وتُذيب شيئاً من قسوة العالم، وتُذكّرنا بأننا لسنا وحدنا في هذا الطريق الطويل..هي مثل ماء يتسلل إلى أرض عطشى، فيوقظ فيها القدرة على الإزهار من جديد.
وليس غريباً أن نرى كيف يتبدّل وجه إنسان حين يسمع كلمة تشجّعه، أو حين يشعر أن أحداً
ما يصدّق قوته أو يخفف عنه ثقل اللحظة. فالكلمة الطيبة ليست زينة لغوية، بل فعل إنقاذ صغير، لا يكلّف شيئاً لكنه يغيّر الكثير.
وهاهي الكلمة الطيبة تفعل مفعول السحر..تلمّ شعث الروح، وتعيد للقلوب نبضها، وللأيام معناها، وللإنسان قدرته على أن يحبّ، وأن يعطي، وأن يبدأ من جديد.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *