تجربة فهد الحربي
تجربة فهد الحربي
كنت جالساً في فناء المنزل على كرسي الاسترخاء، والنهار يفتح عينيه ببطء، كأن الشمس تتردد قبل أن تضع يدها على كتفي..لا أعرف لماذا شعرت في تلك اللحظة بأن الهواء أخفّ، وأن صدري يتسع بطريقة لم أجربها منذ زمن..شيء يشبه الارتواء، يشبه أن تلتقط روحك أنفاسها بعد مسافة طويلة من الركض..الضوء كان ينساب على الأرض كأنه رسالة، وأنا كنت مستعداً أن أقرأها دون أن أبحث عن معناها.
هناك لحظات لا تحتاج إلى تفسير..لحظات يهدأ فيها كل شيء، حتى الأفكار التي كانت تزعجك قبل دقائق..كنت أسمع صوتي الداخلي بوضوح غريب، كأنني أجلس مع نفسي وجهاً لوجه لأول مرة..لم أكن أريد أن أهرب من هذا الحوار، بل كنت أريده أن يطول..كنت أحتاجه..أحتاج أن أسمع ما تقوله روحي حين لا أقاطعها.
في تلك اللحظة، أدركت أن الإنسان حين يصفو، يرى الأشياء كما هي، لا كما يريدها أن تكون.. رأيت الحب بطريقة مختلفة..ليس الحب الذي نقرأ عنه في الكتب، ولا الذي نسمعه في الأغاني أو الشعر بل ذلك الحب الذي يملأ القلب دون أن يطلب إذناً..حب يجعل الروح ألين، والنظرة أعمق، واليد أكثر استعداداً لأن تمتد..شعرت بأنني ممتن لكل شخص مرّ في حياتي، حتى أولئك الذين تركوا أثراً مؤلماً..فالألم أيضاً يعلّم، ويهذّب، ويكشف لك ما لم تكن تراه.
كنت أفكر في الناس الذين أحبهم، وكيف أن وجودهم وحده يخفف عني دون أن يفعلوا شيئاً.. وكيف أن كلمة صغيرة منهم تغيّر مزاج يوم كامل..وكيف أن الله يضع في طريقك أشخاصاً يشبهون الضوء، يمرّون في حياتك ليذكّروك بأن الخير ما زال ممكناً، وأن القلب مهما أثقلته التجارب، يستطيع أن ينبض من جديد.
رفعت رأسي نحو الشمس كانت ترتفع بثقة..كأنها تقول لي:
(أنا هنا كل يوم مهما تغيّر كل شيء)
شعرت بأن هذا المشهد وحده درس كامل.. الشمس لا تتوقف لا تتردد، لا تتراجع. تشرق، تغيب، ثم تعود..وأنا..كم مرة غبت عن نفسي ولم أعد؟
كم مرة تركت روحي في الظل بينما كنت أركض خلف أشياء لا تستحق؟
أدركت أن العودة إلى الذات ليست رفاهية، بل ضرورة.
ومع هذا التأمل شعرت بقرب الله سبحانه وتعالى بطريقة لا تشبه أي شعور آخر..كأن النور الذي يملأ الفناء لم يكن ضوء الشمس فقط، بل شيئاً أعمق، أدفأ، أصدق..شعرت بأنني محاط بعناية لا أراها لكنني أعيشها..وأن كل ما مررت به، حتى ماظننته قسوة، كان يحمل حكمة لم أفهمها إلا الآن..قلت في نفسي:
الحمد لله ليس حمداً عابراً، بل حمد يشبه السجود الداخلي، حمد يخرج من مكان لا تصل إليه الكلمات.
وبينما كنت أتنفس بعمق، خطرت لي حقيقة بسيطة، لكنها كانت كافية لتغيّر نظرتي للحياة: نحن لا نعيش بعدد الأيام، بل بعدد اللحظات التي نشعر فيها بأننا أحياء فعلاً..اللحظات التي نحب فيها، نرحم فيها، نغفر فيها، نشكر فيها..اللحظات التي نرى فيها الآخرين بقلوبنا، لا بأعيننا..حين نفعل ذلك تتضاعف الحياة..تتسع..تصبح أعمق مما نظن.
وأنا جالس هناك، أدركت أن الشكر ليس كلمة، بل حالة..أن تشكر الله يعني أن ترى النعمة، أن تحفظها، أن تستخدمها في الخير..أن تشكر بعينيك حين تستر، وبأذنيك حين تصمت عن العيب، وبقلبك حين تنوي الخير، وبروحك حين ترضى..
هذا الشكر هو الذي يجعل الحياة أجمل، ويجعل القلب مطمئناً، ويجعل الإنسان أقرب إلى الله.
وهكذا..خرجت من تلك اللحظة وأنا أشعر بأنني وُلدت من جديد ولو قليلاً.