الشيخ زايد أب الإنسانية الخالد

الشيخ زايد أب الإنسانية الخالد

في مساء من أمسيات عام 1995 وبينما كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -طيب الله ثراه- يتجول في شوارع أبوظبي حدث موقف سيظل محفوراً في ذاكرة من عايشه، ويُروى للأجيال كدليل على أن القلوب الكبيرة قادرة على أن تغيّر مصائر الناس.
تقدمت نحوه سيدة عربية، تحمل في ملامحها قلقاً عميقاً ووجعاً صامتاً وطلبت منه أن يساعدها في إخراج زوجها من السجن بعدما أثقلته الديون وأغلق عليه باب الحرية.
وقف الشيخ زايد -رحمه الله- يستمع إليها وصمته كان أبلغ من أي كلام..كان ينظر إليها بعين الأب الذي يشعر بوجع أبنائه، وكأن قلبه يشاركها ثقل اللحظة..ثم نطق بكلمات قليلة لكنها كانت كالمطر على أرض عطشى: (فالك طيب) لم تكن تلك العبارة وعداً عابراً بل كانت بداية قصة إنسانية عظيمة..أمر أحد مرافقيه أن يأخذ عنوان المرأة ثم اتصل بالشيخ سيف بن زايد آل نهيان الذي كان حينها مسؤولاً في وزارة الداخلية وسأله عن عدد السجناء المديونين في أبوظبي..وعندما تلقى الإجابة قال الشيخ زايد عبارته التي تجسد عظمة روحه: (لا أريد أن تشرق شمس الصباح إلا وهم عند أسرهم وأنا من أتكفل بسداد ديونهم).
وبالفعل خرج هؤلاء السجناء في تلك الليلة، وعادوا إلى أسرهم بفضل يد الخير التي امتدت إليهم..ولم يكتف الشيخ زايد -رحمه الله- بذلك بل أمر أن تُصرف مكافأة للمرأة وزوجها وأن يُوفر للزوج عمل جديد يعيد له كرامته ويمنحه فرصة لبداية أخرى..كانت تلك اللحظة أشبه ببعث جديد إذ تحولت دموع المرأة إلى ابتسامة، وتحول اليأس إلى أمل، وتحولت قصة ألم إلى قصة حياة.
هذه الحادثة ليست مجرد موقف عابر، بل هي مرآة صافية تعكس شخصية الشيخ زايد بن سلطان أل نهيان الرجل الذي لم يكن يرى في القيادة سلطة بل مسؤولية ولم يكن يعتبر الحكم امتيازاً بل عبئاً يقتضي أن يحمل هموم الناس ويخفف عنهم أثقالهم..لقد كان زايد الخير مدرسة في العطاء، مدرسة لاتعرف حدوداً للكرم ولاتضع سقفاً للرحمة..كان يرى أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن بناء الوطن لا يكتمل إلا ببناء الإنسان، وأن الكرامة لا تُشترى بالمال، بل تُصان بالفعل الكريم.
لقد كان الشيخ زايد -رحمه الله- رمزاً للإنسانية، يزرع الأمل في النفوس، ويمنح الناس الثقة بأن الغد أفضل..كان يعلّم الجميع أن القيادة الحقيقية هي أن تكون قريباً من الناس أن تسمع أنينهم قبل أن يعلو صوتهم، وأن تسبق حاجاتهم قبل أن يطلبوها..وما فعله في تلك الليلة هو صورة مصغرة لما فعله طوال حياته حيث جعل من الإمارات واحة للخير، ومكاناً يجد فيه الإنسان الأمان والاحترام.
إن الحديث عن الشيخ زايد -رحمه الله- هو حديث عن رجل جمع بين الحكمة والرحمة بين الحزم واللين، بين الرؤية المستقبلية والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تمس حياة الناس اليومية..لقد ترك إرثاً من المواقف التي تُروى كقصص ملهمة إرثاً يقول للأجيال إن العظمة لاتُقاس بالثروة ولا بالسلطة، بل بما يتركه الإنسان من أثر في حياة الآخرين.
رحم الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان فقد كان أباً للجميع، وقائداً استثنائياً ورمزاً للخير والكرم. سيظل اسمه محفوراً في ذاكرة الأمة وستظل قصصه ومواقفه منارات تهدي السائرين على درب العطاء. وما تلك الحادثة إلا واحدة من آلاف المواقف التي تؤكد أن زايد الخير لم يكن مجرد قائد، بل كان إنساناً عظيماً أحب شعبه وأحب الإنسانية جمعاء فبادلوه الحب والوفاء وبقيت سيرته شاهداً على أن الخير إذا اقترن بالقيادة الحكيمة، فإنه يصنع تاريخاً لايُمحى.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *